اليوم : الخميس 10 رمضان 1442هـ الموافق:22 أبريل 2021م
عبادات تحت الضوء.. السماع والذكر عند الصوفية
تاريخ الإضافة: الأثنين 27 جمادى الأولى 1429هـ

السماع والذكر عند الصوفية

د.محمد أحمد لوح

 

الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

وبعد:

إن من الأعمال التي أضافها أصحاب الفكر الصوفي إلى موضوع الذكر، وعدوها من صميم العبادات، والطقوس المعتبرة في الشريعة الصوفية، لون آخر يسمونه: السماع، وهو عبارة عن اللحن والغناء والاستماع إليه والرقص.

ويبدو أن السماع له وزنه واعتباره في الفكر الصوفي، وفي سلوك الصوفية منذ وقت مبكر، ويدل عليه أن معظم المؤلفين المعتبرين في التصوف اهتموا به اهتماماً كبيراً، فعقدوا له أبواباً وفصولاً خاصة في مصنفاتهم، مثل ما صنع السراج في اللمع([1])، والقشيري في رسالته([2])، والسهروردي في عوارف المعارف، حيث عقد أربعة أبواب في السماع([3])، والغزالي في الإحياء([4]).

هذا ونلاحظ أنه قد بلغ مجموع ما ألف في موضوع السماع نيفاً وخمسين مؤلفاً بين مؤيد وناقد؛ مما يؤكد خطورة المسألة وتفاقمها.

لكن أكثر الباحثين والمحققين ناقشوا هذا الموضوع ضمن مناقشتهم لمسألة الغناء واللهو، وطردوا حكم الغناء على حكم السماع، فحرموه مقيداً بقيود تحريم اللهو واللعب.

لكننا إذا دققنا النظر وأمعناه في هذه المسألة نجدها أكبر من ذلك بكثير؛ لأن الرقص والغناء بالألحان المعبر عنها بالسماع يقصد بها العبادة لله تعالى، فهي بذلك تتضمن محظوراً أكبر من مجرد الغرق في اللهو واللعب، وهو جعل هذا اللهو ديناً مشروعاً يتقرب به إلى الله، ويدلنا على ذلك أمور:

الأول: قول القشيري: سمعت أبا علي الدقاق يقول: السماع حرام على العوام؛ لبقاء نفوسهم، مباح للزهاد؛ لحصول مجاهداتهم، مستحب لأصحابنا؛ لحياة قلوبهم([5]).

نلاحظ الآتي:

أ- صرح بكون السماع من جملة العبادات؛ لأنه مستحب لهذه الفئة من الناس، والاستحباب حكم شرعي لا يجوز إثباته بدون دليل شرعي، ولاعتقادهم أن السماع عبادة كانوا يحثون الناس عليه ويرغبونهم فيه، فنقل القشيري عن الجنيد أنه قال: تنزل الرحمة على الفقراء – يعني: الصوفية - في ثلاثة مواطن: أولها: السماع([6]).

ب- قوله: (حرام على العوام) يدل على حرصهم على السماع مع شدة الحرص على اكتساب احترام العوام لهم؛ لأنهم إن خالطوهم في مواطن السماع رأوا ما يحصل منهم من منكرات؛ فيسقط الوقار، وتضعف عوامل تقديسهم في نفوس المريدين.

وفي هذا الصدد يقول الجنيد محذراً المبتدئين من ذلك: إذا رأيت المريد يحب السماع فاعلم أن فيه بقية البطالة. ويقول: السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء: الزمان، والمكان، والإخوان([7]).

والمشهد الآتي يبين مدى حرص القوم على احتكار مجالسهم في الغناء والرقص، وعلى ألا يُدْخِلونها مَن ليس في طبقتهم وهم (الإخوان) في عبارة الجنيد.

لما دخل ذو النون المصري بغداد اجتمع إليه الصوفية ومعهم قوال –يعني: مغنياً- استأذنوه أن يقول بين يديه شيئاً، فأذن له فابتدأ يقول:

صغير هواك عذبني                              فكيف به إذا احتنكا([8])

وأنت جمعت من قلبي                هوىً قد كان مشتركا

أما ترثي لمكتئب                     إذا ضحك الخلي بكى

فقام ذو النون وسقط على وجهه والدم يقطر من جبينه... ثم قام رجل من القوم يتواجد -يظهر أنه من الدخلاء أو العوام الذين تحرم عليهم المشاركة- فقال له ذو النون زاجراً: ((الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ)) [الشعراء:218]، فجلس الرجل.

وعلق القشيري على الحدث بأن ذا النون نبه الرجل بأن ذلك ليس مقامه، وكان ذلك الرجل صاحب إنصاف، حيث قبل منه ذلك فرجع وقعد([9]).

أما الغزالي فعلق عليه بقوله: وكان ذلك إطلاعاً من ذي النون على قلبه أنه متكلف متواجد، فعرفه أن الذي يراه حين يقوم هو الخصم في قيامه لغير الله تعالى، ولو كان الرجل صادقاً لما جلس([10]).

ولا شك أن هذا تصرف ذكي من الصوفية، فإن التلميذ المبتدئ إذا اطلع على هذه المخازي قد يهتدي بفطرته التي لم تلوث بعد إلى إدراك بطلانها، فيسقط الشيخ من عينيه، وهذا ما لا يريدون وقوعه، ولا سيما أن القشيري نقل أن السماع فيه نصيب لكل عضو: فما يقع إلى العين تبكي، وما يقع إلى اللسان يصيح، وما يقع على اليد تمزق الثياب وتلطم، وما يقع إلى الرجل يرقص([11])، فالشيخ لا يحب- وحق له ذلك- أن يبكي ويصيح، ويمزق ثيابه، ويلطم وجهه ويرقص بحضور تلميذه.

ويبدو أن الغزالي تفطن لهذا الأمر؛ فوجه تحذيراً لطيفاً إلى الشيوخ حثهم فيه على التقليل من الرقص حسب الإمكان، فقال: لا يليق اعتياد ذلك بمناصب الأكابر وأهل القدوة؛ لأنه في الأكثر يكون عن لهو ولعب، وما له صورة اللعب واللهو في أعين الناس فينبغي أن يجتنبه المقتَدى به؛ لئلا يصغر في أعين الناس فيترك الاقتداء به([12]).

لكن هذا التحذير من أبي حامد لم يلق آذاناً صاغية من هؤلاء الأكابر؛ لأن المسألة مسألة تعبد- في اعتقادهم- وعليه فليس من السهل القضاء على هذه الظاهرة إلا ببيان بدعيتها، وكونها مخالفة للهدي النبوي، وهذا ما لم يكن ليتوقع من الغزالي الذي خصص مساحة كبيرة في إحيائه للدفاع عن السماع، ومن هنا وجدنا -حسبما تؤكد المصادر الصوفية- أن أمر السماع والرقص وصل في القرن السادس والسابع إلى حد خطير، حيث إن الأكابر زاحموا الراقصين المحترفين، ونافسوهم في الشهرة والمقدرة على الرقص، بل استغلوا عواطف الجماهير وسلطاتهم الدينية حتى كسبوا كثيراً من المعارك (الفنية) التي كانت تدور رحاها في تلك الحقبة من الزمن.

وفيما يلي مشهد من تلك المشاهد يصور لنا جانباً منها، وهو: أن الشيخ فخر الدين الفارسي الصوفي كان من أكابر المشهورين تزوره الملوك والأعيان، فحدث أن أحد صلحاء القرافة مات فعمل له أصحابه (عرساً)! ودعوا إليه خلقاً كثيراً، وأحضروا قوالاً كان قد انفرد بالغناء في وقته يقال له: الفصيح، وكان في أول شهرته وإقبال الناس عليه، وكان شاباً حسن الصورة، فلما اجتمعوا قالوا: من المصلحة أن نعلم الشيخ فخر الدين بهذه الصورة قبل أن نفعلها، فمضوا إليه وأعلموه، فقام معهم وحضر بحرمته العظيمة وهيئته المحترمة، وأصحابه حوله وبين يديه، فلما هدأ المجلس بالجميع، وأخذ الناس محدقين بالشيخ ينتظرون ما يصدر عنه، أنكر الشيخ الاجتماع لمثل هذا الشخص، وفوراً هرب الفصيح خوفاً من الشيخ؛ مما أدى إلى إثارة سخط غالبية الحاضرين، فعلم الشيخ ذلك منهم، فتكلم، فقال: ضمان السماع علي، ثم أشار إلى صوفي يقال له: علي بن الزرزور بأن يجلس بين الجموع ويغني، فلما غنى وبلغ المدى في غناه قام الشيخ فخر الدين ووضع عمامته على الأرض، ورقص بهيئته وحرمته، فما بقي على الأرض إلا من طرب، وكشف الناس رءوسهم صارخين وقتاً طويلاً، وحمدوا الله إذ عوضهم من الشيخ وسماعه وبجلالة قدره ما فاتهم من قوال كانوا يفتتنون به([13]).

انظر إلى فعال هذا الشيخ وكيف احتال على هذا القوال مستخدماً مركزه الديني الصوفي، وعواطف الناس نحوه وثقتهم فيه، وهو موصوفٌ بأنه آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر، كما في ترجمته في ذلك الكتاب!

الثاني: مما يدل على كون السماع عندهم من الدين أن أبا الفضل بن طاهر المقدسي الصوفي (ت: 507 هـ) بعد أن أورد ما ظنه أدلة على مشروعية السماع قال: فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه، والأولياء قد اجتمعوا للسماع، وتواجدوا ورقصوا في اليقظة والنوم، فكيف ينكره أحد اليوم؟ وما كان كذلك فهو دين معروف([14]).

فقد صرح في هذا النص بأن الرقص والسماع دين معروف.

الثالث: أنهم حاولوا أن يستدلوا عليه بالنصوص الشرعية، وهي نصوص إما استخدموها في غير ما تدل عليه، وإما لا تصح نسبتها إلى الشارع، وفيما يلي سرد أهمها:

أ- استدل القشيري على السماع بالألحان، بقوله تعالى: ((فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)) [الزمر:17، 18] قال: ووجهه أن اللام في قوله: (القول) تقتضي التعميم والاستغراق...

ب- واستدل بالسنة التقريرية، فقال: ولا خلاف أن الأشعار أنشدت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه سمعها ولم ينكر عليهم في إنشادها، فإذا جاز استماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان([15]).

ج- واستدل بالقياس، حيث قال: والجمل يقاسي تعب السير ومشقة الحمولة؛ فيهون عليه بالحداء([16]) وقال الله تعالى: ((أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ)) [الغاشية:17]([17]).

والجواب على هذه الشبهات أن يقال: يلزم من الاستدلال الأول جواز سماع كل قول مهما كان ماجناً وفاحشاً، وهذا باطل، وهو ما حاولوا تقريره ونسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال القشيري:

وقد روي أن رجلاً أنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

أقبلت فلاح لها عارضان كالسبج([18])                    أدبرت فقلت لها والفؤاد في وهج

هل علي ويحكما إن عشقت من حرج

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {لا}([19]).

وذكر القرطبي بأن هذا الحديث مما لا يوجد مسنداً، ولا أخرجه في كتابه أحد من أئمة المحدثين، وإنما هي أحاديث مروجة، وأكاذيب مبهرجة وضعها الزنادقة وأهل المجون المخرفة، يرمون بذلك نسبة اللهو والمجون إلى الأنبياء والفضلاء([20])، وكذلك اعترف محقق الرسالة عبد الحليم محمود بأن الحديث موضوع([21]).

وأما ما استدل به من إنشاد الشعر فلا دليل فيه؛ لما يأتي:

أ- لأن إنشاد الشعر ليس هو محل النزاع، وهو غير السماع المتعارف عليه لدى المتصوفة.

ب- أنه ليس هناك ألحان ولا رقص، وهما شرطان في السماع الصوفي، وما أشار إليه بأن إضافة الألحان إلى إنشاد الشعر لا يغير حكمه فهو من العجائب التي تدل على شدة الإعراض عن السنة، والإقبال على البدعة مع ركوب صهوة العقل، وعدم الالتفات إلى النقل.

جـ- أن الذين كانوا ينشدون الشعر في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما كانوا يعتقدون أن ذلك من العبادات التي تَعبَّد الله بها عباده، وذلك يخالف ما عليه هؤلاء، حيث جعلوه ديناً، وشددوا النكير على من ينكر عليهم، وألصقوا بهم كل ما يستحقونه هم من الألقاب.

وأما القياس الذي جاء به فغريب، بل فاسد؛ لأن هذه الآية إنما تتحدث عن آيات الله الكونية التي منها خلق الإبل، وليس هنا ما يشير إلى مشاركة الإنسان لها في الخصائص حتى يقيس نفسه بها.

قال القرطبي في تفسير هذه الآية: لما ذكر الله عز وجل أهل الدارين تعجب الكفار من ذلك، فكذبوا وأنكروا، فذكرهم الله صنعته وقدرته، وأنه قادر على كل شيء كما خلق الحيوانات والسماء والأرض، ثم ذكر الإبل أولاً؛ لأنها كثيرة في العرب، ولم يروا الفيلة؛ فنبههم جل ثناؤه على عظيمٍ مِن خَلْقِه قد ذلَّلَه للصغير يقوده وينيخه وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل... يدلهم بذلك على توحيده وعظيم قدرته([22]).

وفي الجملة: هذه الآية لا تدل على الغناء، ولا على الرقص، ولا على السماع الصوفي، لكن هؤلاء إذا أرادوا الاحتجاج على شيء مقرر عندهم توسعوا في القرآن والسنة، ووضعوهما في غير مواضعهما، وحادوا بهما عن سواء السبيل، وما أدق عبارة الإمام ابن الجوزي حين قال: والعجب من ورعهم في الطعام، وانبساطهم في القرآن([23]).

هذا وقد رد ابن الحاج على هذا القياس فقال: انظروا يا ذوي الألباب! كيف قادهم ركوب الهوى وعشق الباطل، وقلة الحيلة إلى هذه السخافة! وحَسْبُكَ مِن مَذهَبٍ إمامُهم فيه الأنعام... وهكذا يفضح الله تعالى من اتبع الباطل، وحسبك من عقول لا تقتدي بأحبار المسلمين وعلمائهم وتقتدي بالإبل، فلئن كان كل ما طربت به البهائم مندوباً أو مباحاً فإنا نرى البهيمة تدور على أمها وأختها، وتركب بنتها، فيلزم الاقتداء بالبهيمة في مثل هذا([24]).

ومن شبهاتهم في مشروعية السماع: ما ذكره الغزالي حيث قرر أن اللحن يجوز السرور به، وكل ما جاز السرور به جاز إثارة السرور فيه، قال: ويدل على هذا من النقل إنشاد النساء على السطوح بالدف والألحان عند قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

طلع البدر علينا                       من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا                   ما دعا لله داع

فهذا فيه إظهار السرور؛ لقدومه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو سرور محمود، فإظهاره بالشعر والنغمات والرقص والحركات أيضاً محمود([25]).

والجواب: أن هذا الخبر أخرجه البيهقي في دلائل النبوة([26])، من حديث ابن عائشة معضلاً، وليس فيه ذكر للدف والألحان.

وعزاه العراقي إلى البيهقي، غير أنه قال: من حديث عائشة([27]).

والذي في سند البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة أخبرنا أبو عمرو بن مطر قال: سمعت أبا خليفة يقول: سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة.... فذكره.

وابن عائشة هذا اسمه عبيد الله بن محمد بن حفص، ثقة توفي سنة (228 هـ).

والحاصل:

1- أن رفع الخبر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضعيف روايةً، بل أشار القرطبي إلى كونه كذباً([28]).

2- ليس فيه ذكر الألحان.

3- لو فرض ثبوته لم يكن فيه دليل على السماع الصوفي؛ لأن الغناء لم يقع على وجه الذكر والعبادة.

والحجج التي تمسك بها الغزالي كلها من هذا القبيل أو أدنى، حتى قال ابن الجوزي: وقد احتج لهم أبو حامد الطوسي بأشياء نزل فيها عن رتبته في الفهم([29]).

ومما تمسكوا به في مشروعية الرقص المرافق للسماع: حديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: {أنت مني وأنا منك؛ فحجل علي، وقال لجعفر: أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي؛ فحجل وراء علي، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا؛ فحجل زيد وراء جعفر}.

حيث قال الغزالي:

وقد روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم حجلوا لما ورد عليهم سرور أوجب ذلك في قصة ابنة حمزة، لما اختصم فيها علي بن أبي طالب وأخوه جعفر وزيد بن حارثة رضي الله عنهم... ثم ذكر القصة. وقال في التعليق: والحجل هو الرقص([30]).

وقال ابن طاهر: ومما يدل على صحة الرقص ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي... فذكر القصة([31]).

ذكر ابن طاهر عدداً من الشبه التي سماها حججاً كلُّها ساقطة لا تستحق الرد، حتى قال ابن الجوزي: وقد استدل لهم محمد بن طاهر بأشياء لولا أن يعثر على مثلها جاهل فيغترلم يصلح ذكرها؛ لأنها ليست بشيء([32]).

وقال الشيخ الفوتي: فإذا انضم إلى هذا القيام رقص أو وجد ونحوه فلا إنكار عليهم؛ فإن ذلك من لذات الشهود والمواجيد، وقد ورد في بعض طرق الحديث رقص جعفر بن أبي طالب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حين قال له: {أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي}، من لذة هذا الخطاب، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان هذا أصلاً في الجملة في رقص الصوفية ووجدهم مما يدركونه من لذات المواجيد([33]).

والجواب: أن يقال لهم: أثبثوا العرش أولاً ثم انقشوا، فهذا الحديث لا يصلح حجة لما ذهبوا إليه؛ وذلك لما يأتي:

أولاً: هذا الحديث جاء موصولاً ومقطوعاً، وجاء بزيادة ذكر الحجل وبدونها.

أما الموصول ففي حديث البراء، وعلي، وابن عباس، وجابر، وعبيد الله بن أسلم مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

أما حديث البراء: فقد رواه البخاري([34])، والترمذي([35])، والبيهقي في سننه([36])، كلهم من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عنه.

وأما حديث علي: فقد رواه أحمد في مواضع من مسنده([37])، والطحاوي في المشكل([38])، والحاكم في المستدرك([39])، والبيهقي في موضعين من السنن الكبرى([40])، كلهم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ، ومعه هبيرة بن يريم في روايتي أحمد، وإحدى روايتي البيهقي عن علي.

وأما حديث ابن عباس: فقد رواه أحمد([41]) بإسناد فيه حجاج بن أرطاة، ومقسم بن بجرة.

وأما حديث جابر: فرواه الطبراني في الأوسط مطولاً، بإسناد فيه مكي بن عبيد الله الرعيني.

وأما حديث عبيد الله بن أسلم: فقد رواه أحمد([42])، بإسناد فيه ابن لهيعة.

وأما المقطوع: فقد جاء من حديث أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي، رواه ابن سعد([43])، ومن حديث قتادة، رواه عبد الرزاق([44]).

وليس في هذه الروايات كلها ذكر الحجل إلا في رواية ابن سعد، وإحدى روايات أحمد([45])، وفي روايتي البيهقي، وكلها ضعيفة لا تصلح للاحتجاج.

أما رواية ابن سعد فمعضل؛ لأن محمد بن علي لم يسمع من جده الحسين فضلاً عن جد أبيه علي بن أبي طالب([46]).

وأما الروايات الباقية ففيها:

1- عنعنة أبي إسحاق السبيعي، وهو مدلس من الثالثة.

2- أنها جميعاً من رواية هانئ بن هانئ، وهو مجهول([47]).

وبهذا يظهر تقصير محقق كتاب كشف القناع، حيث اكتفى بقوله: أخرجه الإمام أحمد... وأصل الحديث في البخاري والترمذي([48]).

وبمناسبة بيان ضعف هذه الأخبار التي يستدل بها هؤلاء القوم في تقرير العقيدة والشريعة أذكر قول شيخ الإسلام ابن تيمية: وهكذا عامة أهل البدع لا يميزون بين الحديث الصحيح وغير الصحيح، لكن ما وافق آراءهم وأهواءهم كان هو الحق عندهم، وإن كان راويه قد اختلقه على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وما خالف ذلك دفعوه، بخلاف أهل السنة وعلماء الأمة الذين يقصدون متابعة الرسول، والاستنان بسنته، والعمل بشريعته... فإن هؤلاء يميزون بين ما قاله الرسول، وما قاله غيره، وما نقل عن الرسول، فيميزون بين الصدق والكذب، والصحيح والضعيف([49]).

ثانياً: لو فرضنا ثبوت الخبر فإننا لا نسلم بأن الحجل هو الرقص والغناء واللحن الذي يدور حوله البحث والنزاع؛ لأن مصادر اللغة تؤكد أن الحجل نوع من المشي ربما قصد به التعبير عن الفرح.

ففي القاموس: حجل... رفع رِجلاً وتريث في مشيته على رجله([50]). وفي اللسان: والحجل مشي المقيد، وحجل يحجل حجلاً إذا مشى في القيد، ثم نقل خبر جعفر مستدلاً به على أنه قفز من الفرح([51]).

وفي المختار: حجل يحجل... إذا نزا في مشيته([52])، والفرق واضح بين رقص الراقص الذي يتخذ ما يلزمه من آلات اللهو والمعازف، ويرقص على تلك الأنغام، وبين مشي من يمشي مشية معينة، ويدور معبراً عن فرحته، ويؤيد هذا ما جاء في رواية ابن سعد حيث قال: {فقام جعفر فحجل حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم دار عليه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما هذا؟ قال: شيء رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم}([53]).

قال ابن الجوزي بعد أن ذكر استدلالهم بقصة الحجل: أما الحجل فهو نوع من المشي يفعل عند الفرح، فأين هو من الرقص؟([54]).

ثالثاً: لو سلمنا أن الحجل رقص فعلاً، فإنه لا يعدو كونَه تعبيراً عن الفرح والسرور، وليس المقصود منه العبادة على غرار ما يقصد هؤلاء الصوفية من رقصاتهم عند الذكر، ومن المؤسف حقاً: أن هؤلاء الصوفية روجوا لهذا السماع ترويجاً وصل إلى حد التأثر به أكثر مما يتأثرون بالقرآن الكريم، وباعترافهم هم، وإليك الدليل:

الشيخ يوسف بن الحسين الرازي (ت:304هـ) أتاه زائر -وهو أبو الحسين الدراج- من بغداد إلى الري، فوجده وقد فتح المصحف يقرأ فيه، فأنشده الزائر:

رأيتك تبني دائباً في قطيعتي           ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني

قال أبو الحسين: فأطبق المصحف، ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وثوبه، حتى رحمته من كثرة بكائه، ثم قال لي: من وقت الصلاة هو ذا أقرأ القرآن فلم تقطر من عيني قطرة، وقد قامت علي القيامة بهذا البيت([55]).

فهذا اعتراف من هذا الشيخ بأن القوم لا يتأثرون بالقرآن تأثرهم بالسماع، والسبب -كما يحلل الدكتور هلال- هو أن تأثرهم وتحركهم في الحقيقة إنما هو للحن، والنغمة الموسيقية التي يختارها الموقِّع حسب هوى نفوس المستمعين، وحسبما يريد من نوع الإثارة([56]).

ولذا وصفه الشعراني فقال: وكان... إذا سمع القرآن لا تقطر له دمعة، وإذا سمع شعراً قامت قيامته([57]).

وذكر القصة ابن الجوزي([58]) بعد أن مهد لها بقوله:

وقد نشب السماع بقلوب خلق منهم، فآثروه على قراءة القرآن، ورقت قلوبهم بما لا ترق عند القرآن، وما ذاك إلا لِتَمَكُّنِ هوىً باطنٍ، وغلبةِ طبعٍ، وهُمْ يظُنون غير هذا.

وقال الحافظ ابن القيم منكِراً على فرقة الصوفية التي آثرت السماع على قراءة القرآن:

تُلِيَ الكِتَابُ فأَطْرَقُوا لا خِيفَةً                  لكنه إِطراقُ ساهٍ لاهي

وأَتَى الغناءُ فكَالذُّباب تراقصوا                واللهِ ما رَقَصُوا لأجلِ اللهِ

دُفٌّ ومِزْمارٌ ونغمةُ شاهِدٍ            فمتى شهِدْتَ عبادةً بملاهِي

ثَقُلَ الكِتابُ عليهم لَمَّا رأوا                   تقييدَه بأوامر ونواهِي

وعليهمُ خَفَّ الغِنا لما رأوا            إطلاقَه في اللهوِ دون مناهِي

يا فرقةً ما ضَرَّ دينَ محمدٍ                      وجَنَى عليه ومله إلاَّ هِي

سمعوا له رعداً وبرقاً إذ حوى                  زجراً وتخويفاً بفعل مناهِي

ورأوه أعظَمَ قاطعٍ للنفس عن                  شهواتِها يا ويحَها المُتناهِي

وأَتَى السماع موافقاً أغراضَها                 فلأجلِ ذاك غدا عظيمَ الجاهِ

إنْ لم يكن خمرَ الجُسوم فإِنَّه                    خمرُ العقولِ مماثلٌ ومُضاهِي

فانظر إلى النشوان عند شرابِه                 وانظر إلى النشوان عند تلاهِي

وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه            من بَعدِ تمزيق الفؤاد اللاهي

فاحْكُم بأي الخمرتَين أحقُّ بالـ               ـتحريمِ والتأثيمِ عند اللهِ([59])

بل يبدو أنهم كانوا يتحمسون للسماع والرقص أكثر مما ينشطون عند أداء الصلاة، حتى إن الشيخ عبد الله الوزان كان مقعداً لا يصلي إلا قاعداً، وكان في السماع إذا ظهر به وجد يقوم ويستمع([60]).

ونظراً لتفشي السماع في المجتمع الصوفي منذ وقت مبكر فإننا نجد أن بعض الشيوخ تبرموا منه، فهذا الجيلاني يقول: إنه لا يرى السماع والقول والقصب([61]) والرقص، ويذكر أن أهل زمانه قد لهجوا بذلك في أربطتهم ومجامعهم، ويذكر أن في الاستئناس بالله مندوحة عن الأشعار، والقيانة والأصوات، وصراخ المدعين شركاء الشياطين([62]).

قلت: وهذه قاصمة ظهر لأتباع الطريقة القادرية؛ لأنهم معروفون بالتغني بالأشعار مع دق الطبول، وإذا تقرر هذا كله فليعلم أنه إذا كان هناك ما يمكن أن يطلق عليه السماع عند السلف الصالح فهو سماع آيات القرآن.

يقول شيخ الإسلام: فأما السماع الذي شرعه الله تعالى لعباده، وكان سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم يجتمعون عليه؛ لصلاح قلوبهم، وزكاة نفوسهم، فهو سماع آيات الله تعالى، وهو سماع النبيين والمؤمنين، وأهل العلم وأهل المعرفة... وبهذا السماع أمر الله تعالى كما قال تعالى: ((وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) [الأعراف:204] وعلى أهله أثنى، كما في قوله تعالى: (( فَبَشِّرْ عِبَادِ ))[الزمر:17]^ * (( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ))[الزمر:18]^... وكما أثنى على هذا السماع ذم المعرضين عن هذا السماع، فقال تعالى: ((وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً)) [لقمان:7]([63]).

وهذا الذي ذكر شيخ الإسلام أنه حال الصحابة مع القرآن هو ما أكده الصحابة أنفسهم.

وروى ابن الجوزي بإسناده عن حصين بن عبد الرحمن قال: [[قلت لأسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند قراءة القرآن؟ قالت: كانوا كما ذكرهم الله أو كما وصفهم عز وجل، تدمع عيونهم، وتقشعر جلودهم، فقلت: إن هاهنا رجالاً إذا قرئ على أحدهم القرآن غشي عليه فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم]]([64]).

ولهذا ا لما احتج الصوفية على الوجد والرقص بأنه بما نزلت ((وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ)) [الحجر:43]، صاح سلمان الفارسي صيحةً ووقع على رأسه ثم خرج هارباً ثلاثة أيام، رد عليهم الإمام ابن الجوزي بأمور منها ما عُرف من حال الصحابة. حيث قال: والجواب:

1- أن هذا محال وكذب.

2- ثم ليس له إسناد.

3- والآية نزلت بمكة وسلمان أسلم بالمدينة.

4- ولم ينقل عن أحد من الصحابة مثل هذا أصلاً([65]).

وقال شيخ الإسلام أيضاً: وأما سماع المكاء والتصدية، وهو التصفيق بالأيدي والمكاء مثل الصفير ونحوه، فهذا سماع المشركين الذي ذكره الله تعالى في قوله: ((وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً)) [الأنفال:35]([66]).

وقال: وأما الرقص فلم يأمر الله به ولا رسوله، ولا أحد من الأئمة، بل قد قال الله في كتابه: ((وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ)) [لقمان:19]، وقال في كتابه: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً)) [الفرقان:63] أي: بسكينة ووقار، وإنما عبادة المسلمين الركوع والسجود، بل الدف والرقص لم يأمر الله به، ولا رسوله، ولا أحد من سلف الأمة([67]).

ولو كان هذا مما يؤمر به ويستحب وتصلح به القلوب للمعبود المحبوب لكان ذلك مما دلت الأدلة الشرعية عليه([68]).

قلت: قوله: إنما عبادة المسلمين الركوع والسجود، لعله إشارة منه رحمه الله إلى أن العبادة بالرقص وسماع الأغاني بدعة يهودية، تسربت إلى المنتسبين إلى الإسلام بطريقة أو بأخرى، وهذا ما تأكد لي حين وقفت على نص في أحد أسفار العهد القديم عند اليهود يدعو إلى عبادة الله بالرقص والدف والغناء، يقول النص: هللوا يا غنوا للرب ترنيمة جديدة، تسبيحة في جماعة الأتقياء؛ ليفرح إسرائيل بخالقه، ليبتهج بنو صهيون بملكهم، ليسبحوا اسمه برقص بدف وعود، ليرنموا له؛ لأن الرب راضٍ عن شعبه... سبحوه برباب([69]) وعود.. سبحوه بدف ورقص.. سبحوه بأوتار ومزمار([70]).

ويؤكد أن الرقص كان ديناً معروفاً عند مبتدعي اليهود ما ذكر القرطبي عن أحد العلماء حين سئل عن مذهب الصوفية في الرقص والتواجد حتى يقع أحدهم مغشياً عليه؟

فأجاب: مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلاً جسداً له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل،.. إلى أن قال: فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم، هذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة المسلمين([71]).

ولا ريب أن إنكار ما في هذا السماع وما رافقه من الألحان والرقصات إنما هو اتخاذهم إياه ديناً؛ لهذا يقول شيخ الإسلام: فإن طائفة من المتصوفة والمتفقرة تتخذ سماع الغناء ديناً، وإن لم تقل بألسنتها أو تعتقد بقلوبها أنه قربة، فإن دينهم حالٌ لا اعتقاد([72])، فحالهم وعملهم هو استحسانها في قلوبهم ومحبتهم لها ديانةً وتقرباً إلى الله، وإن كان بعضهم قد يعتقد ذلك ويقوله بلسانه([73]).

ويقول: فمن اتخذ نظير هذا السماع عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله فقد ضاهى هؤلاء في بعض أمورهم([74]).

يعني: المشركين الذين اتخذوا المكاء والتصدية عبادة.

يقول الشيخ أبو بكر الطرطوشي في كتابه المسمى بـ(كتاب النهي عن الأغاني):

وقد كان الناس فيما مضى يستتر أحدهم بالمعصية إذا واقعها، ثم يستغفر الله ويتوب منها، ثم كثر الجهل، وقل العلم، وتناقص الأمر، حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهاراً، ثم ازداد الأمر إدباراً حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين- وفقنا الله وإياهم- استزلهم الشيطان، واستهوى عقولهم في حب الأغاني واللهو، وسماع الطقطقة، واعتقدته من الدين الذي يقربهم من الله تعالى، وجاهرت به جماعة من المسلمين([75]).

ومن العجائب أن هذه الرقصات والألحان المزعجة والحركات المهلكة هي قمة المثالية، وذروة القيم عند القوم، فسموه المبادئ السليمة، اسمع ما يقول هذا الصوفي الميرغني: فهل لرجال التصوف أن ينشروا مبادئهم السليمة...؟ هل لهم أن يفتحوا مدارسهم الروحية ذات المناهج العالية التي تُخرج لنا أمثال ابن عطاء، وأبي يزيد، وابن عربي، والغزالي؟ فنستعيد بذلك تلك الأنغام والألحان، وهذه الوثبات والنشوات، والمناجاة والخلوات، والإلهامات والمكاشفات التي تسمو فوق التصور والخيال([76])؟

ولذا يقول المستشرق الصوفي المتخصص نيكولسن: وسرعان ما عرف الصوفية أن الانجذاب يمكن أن يستعان عليه بالصنعة، لا بجمع الفكر وبالذكر، وغيرها من طرق التنويم الذاتي وحدها، بل كذلك بالموسيقى والغناء والرقص، وهذه جميعاً تدخل تحت كلمة (السماع) التي لا تدل إلا على الاستماع للغناء([77]).

نختم القول في مسألة السماع بفتوى نفيسة لأحد العلماء المشهود لهم بالجمع بين الرواية والدراية والديانة، وَرَدَ على العلامة ابن قدامة المقدسي سؤال جاء فيه: ما تقول السادة الفقهاء... فيمن يسمع الدف والشبابة([78]) والغناء ويتواجد حتى إنه يرقص... مع اعتقاده أنه محب لله، وأن سماعه وتواجده ورقصه في الله؟!

فكان مما أجاب به قوله: إن فاعل هذا مخطئ ساقط المروءة، والدائم على هذا الفعل مردود الشهادة في الشرع غير مقبول القول، ومقتضى هذا أنه لا تقبل روايته لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شهادته برؤية هلال رمضان، ولا أخباره الدينية.

وأما اعتقاده محبة الله عز وجل، فإنه يمكن أن يكون محباً لله سبحانه مطيعاً له في غير هذا... وأما هذا فمعصية ولعب ذمه الله تعالى ورسوله، وكرهه أهل العلم وسمَّوه بدعة، ونهوا عن فعله، ولا يُتقرب إلى الله سبحانه بمعاصيه، ولا يطاع بارتكاب مناهيه.

ومن جعل وسيلته إلى الله سبحانه معصيته كان حظه الطرد والإبعاد، ومن اتخذ اللهو واللعب ديناً كان كمن سعى في الأرض بالفساد، ومن طلب الوصول إلى الله سبحانه من غير طريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته فهو بعيد من الوصول إلى المراد([79]).

وجاء فيها أيضاً: ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان شفيقاً على أمته، حريصاً على هداهم، رحيماً بهم، فما ترك طريقاً تهدي إلى الصواب إلا وشرعها لأمته، ودلهم عليها بفعله وقوله، وكان أصحابه من الحرص على الخير والطاعة والمسارعة إلى رضوان الله بحيث لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا تسابقوا إليها، فما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا عن أحد من صحابته أنه سلك هذه الطريقة الرديئة، ولا سهر ليلة في سماع يتقرب به إلى الله سبحانه، ولا قال: من رقص فله من الأجر كذا، ولا قال: الغناء ينبت الإيمان في القلب، ولا استمع الشبابة فأصغى إليها وحسَّنها، أو جعل في استماعها وفعلها أجراً، وهذا أمر لا يمكن مكابرته.

وإذا صح هذا لزم أن لا يكون قربة إلى الله سبحانه، ولا طريقاً موصلاً إليه، ووجب أن يكون من شر الأمور([80]).

قلت: إن المسلم الناصح لنفسه، الحريص على بقاء دينه، إذا وقف على مثل هذا ارعوى وازدجر، وتخلى عن كل ما يمت إلى البدعة بصلة، واكتفى بما رضيه سلف هذه الأمة، فإنه كافٍ شافٍ ولله الحمد.

والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وصحبه وسلم.



([1]) (ص:338-374).

([2]) (ص:637-659).

([3]) وهي الأبواب: (22، 23، 24، 25)، (ص:124-147).

([4]) (2/192-232).

([5]) الرسالة (ص: 644).

([6]) المصدر السابق (ص:645).

([7]) الرسالة (ص:650).

([8]) احتنك: استولى. انظر: اللسان.

([9]) الرسالة (ص:650).

([10]) الإحياء (2/320).

([11]) الرسالة (ص:657).

([12]) الإحياء (2/331).

([13])سير الأولياء (ص:122-123).

([14]) صفة أهل التصوف للمقدسي، عن كشف القناع (ص:159).

([15]) الرسالة (ص:637).

([16]) الحداء: سَوق الإبل والغناء لها. مختار الصحاح، مادة (ح د و).

([17]) الرسالة (ص:642).

([18]) الخرز الأسود. مختار الصحاح مادة (س ب ج).

([19]) الرسالة (ص:642).

([20]) كشف القناع عن حكم الوجد والسماع، (ص:101-102).

([21]) الرسالة (ص:641) الحاشية.

([22]) الجامع (20/34-35).

([23]) تلبيس إبليس (ص:159).

([24]) المدخل (3/110).

([25]) الأحياء (2/302).

([26]) (5/266).

([27]) انظر: المغني للعراقي (2/302) مع الإحياء.

([28]) كشف القناع (ص:101).

([29]) تلبيس إبليس (ص:237).

([30]) الإحياء (2/331).

([31]) صفة أهل التصوف، بواسطة كشف القناع (ص:157).

([32]) تلبيس إبليس (ص:232).

([33]) الرماح (1/168) وعزاه إلى السيوطي.

([34]) (2/267) (ح:2699).

([35]) (5/654) (ح:3765) من طريق البخاري.

([36]) (8/5).

([37]) (1/108، 98، 115).

([38]) (4/173).

([39]) (3/120).

([40]) (8/6)، (10/226).

([41]) المسند (1/230).

([42]) المسند (4/342).

([43]) الطبقات (4/35).

([44]) المصنف (11/227) (ح:20394).

([45]) المسند (1/108).

([46]) انظر: التهذيب (9/350-352).

([47]) انظر: الميزان (4/291)، والتقريب (7264).

([48]) (ص:157) (حاشية:7).

([49]) قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك (ص:160).

([50]) مادة (حجل).

([51]) مادة (حجل).

([52]) مادة (حجل).

([53]) الطبقات (4/35).

([54]) تلبيس إبليس (ص:250).

([55]) القشيرية (ص:652-653).

([56]) ولاية الله (ص:154).

([57]) الطبقات الكبرى (1/78).

([58]) تلبيس إبليس (ص:240).

([59]) مدارج السالكين (1/487-488).

([60]) القشيرية (2/704).

([61]) القصب: المزمار. والقصاب النافخ فيه (الوسيط: مادة قصب).

([62]) الغنية (2/167).

([63]) مجموع الفتاوى (11/557-559).

([64]) تلبيس إبليس (ص:245).

([65]) تلبيس إبليس (ص:243).

([66]) مجموع الفتاوى (11/562).

([67]) مجموع الفتاوى (11/599).

([68]) المصدر السابق (10/77).

([69]) الرباب: آلة وترية شعبية ذات وتر واحد. المعجم الوسيط.

([70]) العهد القديم-المزامير-المزمور (149-150).

([71]) تفسير القرطبي (11/237-238).

([72]) بل هو اعتقاد أيضاً.

([73]) مجموع الفتاوى (3/359).

([74]) مجموع الفتاوى (3/359).

([75]) المدخل لابن الحاج (3/100).

([76]) حامد محمود الميرغني لمحات عن التصوف (ص:65).

([77]) الصوفية في الإسلام (ص:66).

([78]) مزمار من القصب، مولدة. الوافي مادة (شبب).

([79]) ابن قدامة: ذم ما عليه مدعو التصوف (ص:6).

([80]) ذم ما عليه مدعو التصوف (ص:9-10).

 

cytotec abortion abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion buy abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion read here medical abortion pill online
cytotec abortion abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion click where to buy abortion pills online
cytotec abortion how to order the abortion pill online where to buy abortion pills online
cytotec abortion abortion pill where to buy abortion pills online
where can i buy abortion pills click here buy the abortion pill online
where can i buy abortion pills buy abortion pills online buy the abortion pill online
medical abortion pill online go abortion pill buy online
medical abortion pill online abortion pill abortion pill buy online
women who cheat with married men will my husband cheat again cheater
women who cheat with married men open cheater
women who cheat with married men open cheater
cheats my husband cheated read
I cheated on my girlfriend click click
I cheated on my girlfriend why do wifes cheat click
I cheated on my girlfriend meet and cheat click
want my wife to cheat women who cheat on husband married cheaters


أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب