اليوم : الأثنين 11 ذو القعدة 1442هـ الموافق:21 يونيو 2021م
أبحاث ومقالات.. الشخصية الصوفية
تاريخ الإضافة: الأثنين 3 رجب 1429هـ

مقدمة:

غني عن البيان أن المجتمعات الإسلامية في فترة من فترات تاريخها وحتى وقت قريب سيطرت عليها الطرق الصوفية بصورة تكاد تكون شبه كاملة، حتى غدا الدين في حس أفراد المجتمع هو التصوف، وكان من نتاج ذلك أن أصبحت الشخصية المسلمة يتم إنتاجها من خلال هذه المنظومة الثقافية المسيطرة على مجتمعاتنا، وهي في حقيقتها منظومة تمجد وتعلي من شأن الخرافة والأوهام والأساطير، ولا زالت الشخصية المسلمة المعاصرة تحمل بعض الجراثيم التي ورثتها من تلك الحقبة، ومن ثم كانت الخطوة الأولى في سبيل بناء الشخصية المسلمة المعاصرة هو تخليتها من الأمراض التي ما زالت تعاني منها قبل إعادة الصياغة، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:"قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان هو في الاعتقادات والإرادات" (1)، لذلك فنحن نعتبر أن دراسة الشخصية الصوفية بانحرافاتها هو سبيل يمهد لإعادة صياغة الشخصية المسلمة المعاصرة وفق المنهج القرآني.

والشخصية الصوفية هي نتاج الثقافة الذي نشأت فيها بإمتياز، بمعنى: أنها ليست شخصية عفوية، وإنما هي شخصية ترزح تحت إكراهات التصورات والأوهام والعقائد الصوفية.

وكما يقول علماء النفس: "إنّ شخصيّة الفرد تنمو وتتطوّر من جوانبها المختلفة داخل الإطار الثقافي الذي تنشأ فيه وتعيش، وتتفاعل معه" (2)، نعم.. ليست الأفكار والثقافات فقط هي التي تؤثر في بناء شخصية الإنسان؛ فهناك جوانب أخرى؛ غير أن الأفكار أو الثقافات مسئولة عن الجزء الأكبر من محتوى الشخصيّة، وهذا الأمر أكثر ما يصدق على أتباع الطرق الصوفية.

ويمكن للباحث المدقق من خلال استعراض سير بعض أقطاب الصوفية وترجمات رجالاتها التوصل لمجموعة

من السمات العقلية والسلوكية والنفسية والجسمية التي يوصف بها المتصوف، والتي هي من تأثير ثقافته ويتميز بها عن غيره، وهي سمات ثابتة نسبياً وقابلة للتنبؤ، مما يعني قدرتنا على تكوين نموذج نمطي للشخصية الصوفية.

جوانب الشخصية الصوفية:

تتركز أبعاد أي شخصية في أربعة جوانب يمكن إجمالها فيما يلي: الجانب العقلي.. الجانب النفسي.. الجانب السلوكي.. الجانب الجسماني.

وسوف نفصل كلاً من هذه الجوانب الأربعة فيما يخص الشخصية الصوفية.

أولاً: الجانب العقلي:

تغييب العقل:

الاتجاه العام لدى الصوفية هو: الابتعاد عن العقل؛ وذلك لأنهم يرون أنه لا يمكن الوصول إلى الأحوال والمقامات العالية إلا بإلغاء العقل؛ ولذلك يذكرون حوادث لمشايخهم ويقررون أموراً يأباها العقل بل يكذبها.

ونتيجة لهذا يقول الإمام الشافعي وقد أدرك بدايات التصوف: "لو أن رجلاً تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق".

وتغييب العقل عند الصوفية له أسباب عدة:

1-   منهج التلقي:

فللصوفية بشأن مصادر التلقي حديث يتجاوز الكتاب والسنة إلى الإلهام والوحي المزعوم للأولياء والهواتف، والاتصال بالجن الذين يسمونهم: الروحانيين.. ويتجاوز إلى عروج الروح إلى السماوات.. ويتجاوز إلى الفناء في الله، وانجلاء مرآة القلب حتى يظهر الغيب كله للولي الصوفي حسب زعمهم! ويتجاوز إلى الكشوف والمشاهدات والتجليات.. ويتجاوز إلى ربط القلب بالرسول صلى الله عليه وسلم، حيث يستمد العلوم منه مباشرة صحواً أو في المنام.

فتلقي الدين عند الصوفية يقوم على ما يسمى: الباطن، والكشف، والذوق، والحقيقة، وهي مصطلحات يقصد بها ما وراء الأحكام من إشارات وأسرار، وهذا قول عامتهم، أما شيوخهم فيسقطون عن أنفسهم التكليف وإنما دينهم حسب أهوائهم.

"فالصوفي عدو للعقل فوق عداواته للشرع، والعقل عندهم طاغوت أخرق، أما الشرع فمادية تنشب مخالبها في الصخر دون أن ترمق السماء بنظرة واحدة! أو هو نوع من عبادة التاريخ الميت" (3).

ولهذا تتباين في منظورهم قيم الأشياء وحقيقتها تبعاً لتباين الأذواق! وقد يرى الصوفي في أمر أنه الباطل، فيما يرى غيره من الصوفيين فيه الحق! ولا يضيرهم أن يتوتر التناقض بين ما يؤمن به صوفي ويكفر به آخر غيره، فكلاهما في الدين صوفي على حق.

وتنكر الصوفية على العقل أنه وسيلة إلى المعرفة، ويرهقها حنقاً من أن يحكم بالمغايرة بين الضدين، أو بين النقيضين، وتنكر على الشرع تفرقته بين الإيمان والكفر، أو الخير والشر؛ إذ لا تؤمن بغير (الذوق).

فالصوفي "لا يقنع بالحقيقة التي يتم الوصول إليها عن طريق العقل بإيجاد الروابط والعلاقات بين الأشياء، وإنما يبحث دائماً عما وراء الشيء، وأثناء هذا البحث يقوم هو نفسه بصناعة هذه الحقيقة؛ لأن الفراغ العقلي لا بد أن يملأ بتهيؤات مما يبحث عنه المتصوف، حسب قانون الامتلاء في علم النفس، ولهذا نجد أن الكشف الذي يتحدث عنه الصوفيون إنما يتم في الظلام، حيث يجد الذهن مساحته الفراغية لملئها بما يحتاج إليه، فيتوهم ظهور الأخيلة والأشخاص والخضر والرسول صلى الله عليه وسلم عياناً، وهذه حال ممكنة جداً، فكلما كان العطش النفسي إلى الرؤية قوياً -وهي حالة المتصوف- وكلما توفرت الظروف الملائمة؛ كالظلام، والهدوء، وإماتة الحواس بالذكر المزعوم؛ كلما استطاع الذهن ابتكار الصور الذهنية التي يبحث عنها المتصوف ويتشوق إلى رؤيتها.

وبسبب هذا كانت المعرفة الصوفية التي أنتجها العقل الصوفي -إن جاز لنا استخدام لفظي: المعرفة والعقل لوصف هذه الخرافات- معرفة فوضوية، يختلط فيها كل شيء بكل شيء.. الدين بالجغرافيا.. والسحر بالقرآن.. والفقه بالروحانيات.. والغيب بالدجل.. وكل شيء بكل شيء، دون حدود ودون ضوابط، حتى أصبح العلم الصوفي ممكناً في لحظة حلم قصيرة، في شكل مضخم، وكأن العلم سلعة من السلع، أو بضاعة من البضائع"(4).

لذلك كان من السهولة على الشخصية الصوفية تقبل الشطحات والخرافات، والإيمان بها والدفاع عنها؛ بل إن تعاطي الصوفي مع المواقف هو في حقيقته تعاطٍ خرافي يقوم على الدجل والشعوذة والأوهام؛ فهي تعطي للظواهر أسباباً خارجةً عنها، كما أنها مفتقدة للقدرة على الربط بين المعطيات والنتائج.

إن من السمات البديهية لعمل العقل السوي: هو الربط والمقارنة، وتسجيل نقاط الشبه ونقاط الاختلاف في الصور التي تنطبع على الدماغ، وهذا جله يتم تلقائياً بدون إرادة واعية حتى عند الطفل في المهد، وهذه السمة تتطور وتنمو مع الإنسان من خلال تراكم خبرته الطبيعية وتعلمه وثقافته؛ لكن عمل العقل هذا عطل لدى المتصوفة بحكم الخرافات والأوهام والخيالات والشطحات التي تتم تنشئتهم عليها؛ بل بحكم عداوتهم للعقل نفسه.

2-   الغلو في الصالحين والشيوخ:

حيث غالوا في أئمتهم، وأخذوا يقدمونهم للناس بصورة تخرج بهم عن المستوى الإنساني إلى المستوى النبوي والإلهي، وقالوا: إن الاتصال بالله ليس مقصوراً على الأنبياء؛ بل هو باب مفتوح في وجه الأئمة أيضاً، وذلك من خلال فكرة (الحلول)، بمعنى: أن جزءاً من الله يحل في الإمام، وبه يعلم ما سيحدث! وهذا ما يرفعه إلى درجة الألوهية!

ولم يقف الصوفية عند هذا الحد من منح الألوهية لأمثال هؤلاء؛ بل غلوا فيهم حتى جعلوا فيهم شيئاً من صفات الربوبية، وأنهم يتصرفون في الكون، ويعلمون الغيب‏، ويجيبون من استغاث بهم بطلب ما لا يقدر عليه إلا الله‏، ويسمونهم: الأغواث، والأقطاب، والأوتاد، يهتفون بأسمائهم في الشدائد، وهم أموات أو غائبون، ويطلبون منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، وأضفوا عليهم هالة من التقديس في حياتهم، وعبدوهم من دون الله بعد وفاتهم.

وينبغي على المريد أن يفنى في الشيخ، ويلغي نفسه وعقله تماماً في حضرته مع شيخه، أو ما يطلق عليه: فناء إرادته كلياً في إرادة شيخه، يقول الشعراني: (اعمل أيها المريد على أن تتحد بشيخك، فيكون ما عنده من المعارف عندك على حدّ سواء، ويكون تميزه عليك إنما هو بالإضافة لا غير.. قال: وقد قال لي الشيخ أبو الحسن الشاذلي يوماً: يا أبا العباس! ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا وأنا أنت) (5).

ولما كان الأئمة في هذه المنزلة العظيمة المحاطة بدفعات من الهالات والتقديس كان من البديهي للمريد -دون أن يشعر- أن يلغي عقله وكيانه وروحه ويسلمها للإمام منساقاً وراءه دون وعي أو إرادة.

يقول الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله-: "والعبارة الشائعة في كتب التصوف: أن المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله!! وهم يعنون بذلك الطاعة المطلقة، إلا أن هذه الطاعة الغريبة محقت الإرادة الحرة والتفكير الحر معاً"(6).

ومسألة إلغاء العقل تماماً في حضرة الشيخ صارت من المظاهر التي اقترنت باستمرار بالحركة الصوفية في مختلف أطوارها، وأصبحت سمة ملتصقة بالطرق الصوفية جميعاً، وأصبح تغييب العقل من آداب ولوازم هذه العلاقة بين الشيخ والمريد.

3- تأثر الصوفية بأساطير وخرافات وفلسفات الأمم الأخرى:

ارتبط الفكر الصوفي في كثير من تصوراته بفلسفات وأساطير وخرافات الأمم الأخرى، لهذه حيث تجد لكثير من الخرافات الموجودة لدى الأمم الأخرى مثيلاً لها عند المتصوفة؛ بل هم يقرون بنقلهم لهذه الأساطير والخرافات واستفادتهم منها، فيذكر ابن كثير عن الحلاج: أنه "قصد إلى الصين والهند في رحلة طويلة طوَّر فيها أفكاره الصوفية، وراض نفسه على التصوف الهندي، وتعلم الشعبذة والسحر هناك وقال:أدعو به إلى الله!"(7).

وكذلك نجد ابن سبعين -وهو من دعاة التصوف الكبار- قد تأثر بالفكر الهرمسي- ويقصد به العودة إلى القديم، والاستعانة بالسحر والتنجيم والكيمياء في الوصول إلى المعرفة أو الكشف - وعمل على نشره في أوساط المسلمين، حيث يقول في مقدمة كتابه (بُدُّ العارف): "أما بعد: فقد استخرت الله العظيم على إفشاء الحكمة التي رمزها هرامسة الدهور الأولية" (8)، ويقول الدكتور إبراهيم هلال: ((إن بعض العقائد الهرمسية يمكن أن نراها كثيراً في الكتابات الصوفية عن الكون، وخاصة تلك التي كتبها ابن عربي، وكتابات معظم ممثلي المدرسة الصوفية البارزين مثل صدر الدين القنوي، وعبد الكريم الجيلي، وابن توركاه الأصفهاني، وابن أبي جهور))(9).

كما نقل الصوفية عن الرهبانية المسيحية وأخذوا عنها كثيراً من شطحاتهم وخرافاتهم؛ بل إن ممارسات الصوفية وما آلت إليه أوضاع المتصوفة هي صورة مكررة للرهبنة المسيحية في أدق تفاصيلها.

يقول (آسين بلاثيوس، ونيكلسون): بأن ترك الدنيا ومعنى التوكل جاء في التصوف من المسيحية، ونص (فون كريمر) على أن الزهد الصوفي نشأ بتأثير من الزهد المسيحي، وقال (جولد زيهر): وقد حاكى هؤلاء –أي: المتصوفة- نساك النصارى ورهبانهم.

بل التزام الصوفية لبس الصوف وجعله شعاراً لهم هو مأخوذ من رهابنة المسيحية؛ لأنه كان زيهم الخاص، فقد نقل الشعراني عن سهل التستري حكاية باطلة غريبة تدل على تأثر الصوفية بالمسيحية في زيهم، وهذا هو نصها: أن سهل بن عبد الله التستري كان يقول: (اجتمعت بشخص من أصحاب المسيح عليه السلام في ديار قوم عاد، فسلمت عليه، فرد علي السلام، فرأيت عليه جبة من صوف فيها طراوة، فقال لي: إن لها علي من أيام المسيح، فتعجبت من ذلك.

فقال: يا سهل! إن الأبدان لا تخلق الثياب، إنما يخلقها رائحة الذنوب، ومطاعم السحت، فقلت له: فكم لهذه الجبة عليك؟ فقال: لها سبعمائة سنة).

ونقل الإمام ابن تيمية عن أبي الشيخ الأصبهاني عن إسناده أن ابن سيرين بلغه أن قوماً يفضلون لباس الصوف فقال: " إن قوماً يتخيرون الصوف يقولون: إنهم متشبهون بعيسى بن مريم، وهدي نبينا أحب إلينا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس القطن وغيره"(10).

وكذلك تأثرت الصوفية بالبوذية فيما تعرضه من ترهات تخالف العقل.. فهجر الأهل والأولاد، والخروج إلى الغارات والجبال، والجلوس في البراري والحفرات والسراديب، والمكوث مع الحيات والثعابين.. ليست منقولة إلا من الديانات الهندية التي عرفت واشتهرت بمثل هذه الأمور، وقصة إبراهيم بن أدهم -كما يوردها الصوفية- من تركه للأهل والأولاد والملك تتشابه في تفاصيلها مع قصة بوذا وحياته.

أيضاً: التسول والاستجداء، والوقوف على أبواب الناس، وحمل المخلاة والكشكول من لوازم الديانة البوذية، ومن نصائح بوذا الثمان المشهورة التي نصح بها دراويشه ورهبانه، كما أنه ألزمهم سير البراري، وقطع الصحاري، أو المكوث في الخانقاوات، والانشغال فيها بالذكر، ولقد أخذت الصوفية هذا النظام بكامله من البوذية، وألزموا أنفسهم به، كأنهم هم الذين نصحهم بوذا بذلك، يقول الطوسي: (الأكل بالسؤال أجمل من الأكل بالتقوى)، وقال: (كان بعض الصوفية ببغداد لا يكاد يأكل شيئاً إلا بِذلّ السؤال)، ونقل السهروردي عن إبراهيم بن أدهم أنه كان معتكفاً بجامع البصرة مدة، وكان يفطر في كل ثلاث ليال ليلاً، وليلة إفطاره يطلب من الأبواب.

أيضاً: مما تأثر به الصوفية: ملازمة الصمت، وهي من العادات البوذية كما يظهر من تماثيل بوذا، فقد ذكر الشعراني عن سيده البدوي أنه لازم الصمت، وما كان يكلم الناس إلا بالإشارة، وكذلك ذكر الشعراني أيضاً عن سيده عبد الرحمن المجذوب أنه كان ثلاثة أشهر يتكلم، وثلاثة أشهر يسكت (11).

والخلاصة: أن كثيراً من آراء التصوف وممارساته جاءت وليدة الأفكار المختلطة من الرهبانية المسيحية، ومن المانوية، والمجوسية، والمزدكية، وكذلك الهندوكية والبوذية، يقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: "التصوف بحر من القاذورات؛ فقد جمع المتصوفة كل أنواع الكفر والزندقة التي توجد في فلسفات الهند وإيران واليونان، وكل مكر القرامطة والفرق الباطنية، وكل خرافات المخرفين، وكل دجل المدجلين، وكل وحي الشياطين، ووضعوا كل ذلك في إطار التصوف وعلومه ومبادئه وكشوفه" (12)، الأمر الذي قضى على البقية الباقية من عقل المتصوفة.

4- اعتزال الناس وتعذيب النفس:

 فالسهر الطويل، والجوع الشديد، والاعتزال في البيوت المظلمة، والصمت الطويل، وعدم التزوج، والعيش في البراري والصحاري والقفار، واتخاذ مثل ذلك نمطاً للحياة لسنوات طويلة.. يعد سلوكاً سلبياً يؤدي إلى فساد التصور، واختلال التفكير، واضطراب في السلوك، وتعطيل الملكات.

فالإنسان بطبعه مخلوق اجتماعي، يميل إلى العيش وسط جماعة يشعر بينها بالأمن والاستقرار والطمأنينة، تشبع حاجته إلى الانتماء، وتبرز شخصيته من خلالها، وتتشكل إلى حد كبير، وتساهم علاقاته اليومية مع المجموع في تراكم خبراته ونمو عقله، كما التفاعل الإيجابي يشغل الإنسان عن كثير من الوساوس السيئة.

فالانزواء والانسحاب الاجتماعي والعزلة لفترات طويلة تعطل الإنسان عن اكتساب خبرات، وتوقف التطور العقلي الطبيعي، وقد تورث الإنسان تخيلات وتوهمات تظل ملازمة له؛ خاصة إن صاحبها انعدام للمعاش وتعذيب للذات.

وخلوات الصوفية واعتزالهم وتعذيبهم لأنفسهم أشهر من أن توصف؛ بل إن الخلوة والاعتزال ظلت مرادفة في أذهان الكثيرين للتصوف، قال الشعراني في ترجمة الشيخ أبي علي: (كان هذا الشيخ من كُمّل العارفين.. مكث نحو أربعين سنة في خلوة مسدود بابها ليس لها غير طاقة يدخل منها الهواء)، وقال المناوي في ترجمة أبي يعزي: (لزم البراري والقفار خمس عشرة سنة)، ويذكر أحد الصوفية القدامى الهجويري عن أبي عثمان المغربي:( أنه في بداية حاله اعتزل عشرين سنة في البوادي بحيث لم يكن يسمع آدمياً، حتى ذابت بنيته من المشقة، وصارت عيناه كسَمّ الخياط، وتحول عن صورة الآدميين)، ونقل الطوسي عن أبي عبد الله الصبيحي أنه:( لم يخرج ثلاثين سنة من بيت من تحت الأرض)، ويروى عن صوفي مشهور يدعى (فريد الدين) الملقب بكنج شكر أنه ( علّق نفسه معكوسة في بئر، ولم يزل على هذه الحال أربعين سنة لم يأكل ولم يشرب شيئاً)،

ويذكر الطوسي والقشيري والعطار والهجويري والغزالي والشعراني وغيرهم: (أن الشبلي كان يكتحل بالملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم، وأحياناً كان يحمي الميل فيكتحل به)، وذكر عن صوفي هندي خضر سيوستاني القادري أنه ( كان يسكن في المقابر، ولا يلبس إلا رداء واحداً، وكان يأكل العشب وأوراق الأشجار، وكان له تنور يحميه ويتعبد فيه، وكانت حيوانات البادية تجالسه وتأوي إليه، وكان يتعبد في فصل الصيف على حجر حارّ خصّه لنفسه)، ورواياتهم وقصصهم في ذلك كثيرة.

وقد ذكر في الإحياء: كيف يترقى الإِنسَان لينتقل من كونه من أصحاب توحيد العامة (من أصحاب الشريعة) إِلَى أن يكون من أصحاب الحقيقة، يقول: ((إما أن يذهب إِلَى جبل أو إِلَى مغارة يختبئ فيها ويذكر الله حتى يأتيه الكشف، فإن لم يستطع فليأخذ كساء أسود غليظاً ويلفه عَلَى رأسه، وبهذا يكون قد اختلى، ويظل يردد ويقول: الله الله الله وغيرها من الأذكار حتى يأتي الكشف"(13).

ويحكي المناوي عن قطب من أقطاب الصوفية -وهو سيد البدوي- قائلاً: إن السيد البدوي أصله من بني بري، وهي قبيلة من عربان الشام، وعرف بالبدوي للزومه اللثام، ولم يتزوج، واشتهر بالعطاب لكثرة عطبه من يؤذيه،

ثم لزم الصمت فكان لا يتكلم إلا بالإشارة، وكان يمكث أربعين يوماً لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وأكثر أوقاته شاخصاً بصره نحو السماء، وعيناه كالجمرتين.

5- عوامل مجتمعية ساهمت في تغييب العقل لدى الصوفية:

نشأ التصوف في أوضاع اجتماعية وسياسية تشهد حالة من الفوران داخل المجتمع الإسلامي، حيث كان الفكر الاعتزالي لتوه قد خاض معركة شرسة مع أهل السنة والجماعة، وكان من نتائج هذه المعركة التي انتصر فيها أهل السنة بقيادة الإمام (أحمد بن حنبل)، أن ظهرت حركات فكرية ومذاهب هي في حقيقتها رد فعل منحرف لانحرافات المعتزلة الذين يمجدون العقل ويقدمونه على كافة طرق المعرفة في معرفة حقائق الأشياء وإدراك العقائد، وكانوا يحكمون بحسن الأشياء وقبحها عقلاً، فقالوا -كما جاء في الملل والنحل للشهرستاني-: " المعارف كلها معقولة بالفعل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع، أي: قبل إرسال الرسل"، ونتيجة لهذا الغلو في التعامل مع العقل ظهر غلو آخر في اتجاه معاكس تماماً يلغي العقل تماماً، مثلما ظهر عند المتصوفة.

ومع تطور التصوف كانت المدارس الفقهية قد اكتملت، وأغلق باب الاجتهاد، ومع الوقت صارت المقررات الفقهية جامدة عبارة عن متون وحواشٍ تستغلق على عقول الكثيرين، مما ساهم في ضعف مانة الفقهاء والعلماء، وينفر العامة من علومهم ويتجهوا نحو المتصوفة، حيث راحة العقول من تعقيدات الحواشي والمتون.

عامل آخر ساهم في موقف الصوفية من العقل: هو انتشار التشيع، وكثير من الدارسين والمتخصصين يؤكدون أن التصوف خرج من رحم التشيع، وأنهما وجهان لعملة واحدة، ومن ثم فقد ورثت الصوفية ترهات وخرافات وأوهام التشيع، ثم أضافت إليها وأعادت صياغتها من جديد بما يناسب عوام الناس ويخدعهم.

- الجذبة الصوفية أو الفصام:

بعض الدارسين في المجال النفسي والاجتماعي يلصقون الفصام بالجذبة الصوفية، ورغم اعتراض البعض على هذا الأمر باعتبار أن هذه أمراض عصابية لها أسبابها التي تختلف عن حالات الجذب أو الجنون التي يصاب بها بعض المتصوفة؛ "إلا أن المهتمين بالدراسات النفسية والاجتماعية يرون أن الباحث في مثل تلك الحالات النفسية والعصابية ليس من شأنه الاهتمام بالأسباب أو العوامل المنشئة لها، وإنما ينحصر همه وقصده في دراسة المظاهر الخارجية البادية على الأفراد"(14).

والمظاهر المصاحبة للجذبة الصوفية مثل: الجنون المؤقت، وحالات الإغماء، والاستغراق في أحلام اليقظة (الفنطاسيات) -وادعاء الخوارق والشعبذة- انفعالات غير طبيعية.

وكتب الصوفية وطبقاتهم تطفح بأخبار وحالات المجاذيب والدراويش، ويعتبرونها الغاية من الطريقة؛ بل أصبحت لفظة (المجذوب) و(الدرويش) مرادفة للفظة (متصوف).

يذكر الشعراني عن إبراهيم بن عصيفير: " كان يغلب عليه الحال، وكان يمشي أمام الجنازة ويقول: زلابية و هريسة، وأحواله غريبة ".

وقال أيضاً في الطبقات (2/144): ((ومنهم سيدي سعود المجذوب رضي الله عنه، كان رضي الله عنه من أهل الكشف التام، وكان له كلب قدر الحمار لم يزل واضعاً بوزه (فمه) على كتفه)).

وقال أيضاً في الطبقات (2 ـ185): ((الشيخ شعبان المجذوب رضي الله عنه، كان من أهل التصريف بمصر المحروسة)).

وقال في (2/ 87) طبعة دار العلم للجميع: ((الشيخ حسين أبو علي رضي الله عنه، كان هذا الشيخ رضي الله عنه من كمل العارفين وأصحاب الدوائر الكبرى، وكان كثير التطورات، تدخل عليه بعض الأوقات تجده جندياً، ثم تدخل فتجده سبعاً، ثم تدخل فتجده فيلاً، ثم تدخل فتجده صبياً.. وهكذا، ومكث أربعين سنة في خلوة مسدودة بابها ليس لها غير طاقة يدخل منها الهواء))، وهذا غيض من فيض، وإلا فكتب المتصوفة مليئة بهذه القصص.

- ثانياً: الجانب النفسي:

للجانب النفسي دور أساسي ومحوري في بناء الشخصية الصوفية؛ ففي ظل غيبة العقل وتعطيله -باعتباره لا يمكنه الوصول إلى الأحوال والمقامات العالية- اعتمد الصوفية على الجانب النفسي للعروج إلى هذه المقامات؛ لذلك تعتبر النفس هي محور اهتمام الصوفي؛ بل إن سبيل المعرفة لدى المتصوفة من ذوق وكشف ووحي وإلهام هي كلها جوانب نفسية، وهذا ما يفسر اهتمام بعض المتصوفة المعاصرين بالدراسات النفسية.

لكن هذه المغالاة في التركيز على الجوانب الجوانية لدى المتصوفة لم تتمكن من بناء نفسية المتصوف بصورة صحيحة؛ بل على العكس هذه المغالاة ولدت اضطرابات نفسية لدى الشخصية الصوفية؛ لأنها انحرفت بالشخصية عن طبيعتها البشرية التي هي امتزاج بين الروح والجسد والعقل.

هذا بجانب أن المتصوفة لم يستندوا في اهتمامهم بالجانب النفسي على منهج صحيح يستطيعون من خلاله صياغة شخصية تتسم بالصحة النفسية، وإنما عمدوا إلى تعذيب الجسد من خلال ما يسمونه: بالرياضات؛ من جوع، وعطش، وصمت، وسهر، وتجنب الزواج، والعيش في البراري والصحاري والقفار والمزابل.. وغيرها؛ الأمر الذي شكل ضغوطاً نفسية كبيرة عليهم انتهت بكثير منهم إلى الاكتئاب، ولم يقتصر الأمر على ذلك، فمع تعذيب النفس ينظر المتصوف إلى ما يقوم به من أعمال باحتقار شديد وازدراء؛ لأن احتقار ما يقوم به من أعمال شرط للوصول ومن المعروف أن عدم ركون الإنسان لأعماله أمر محمود شرعاً بل هو من الواجبات، لكن المغالاة في ذلك الأمر والتيئيس، والاعتقاد أنه مرذول عند الله، وأنه مهما أفرغ وسعه في الطاعات والنيات والقربات لن يتقبلها الله، أدى إلى إصابة كثير من المتصوفة بإحباط جعل بعضهم يبحثون عن النشوة والغيبوبة والفناء والوجد والاحتراق من "خلال شرب الخمر في حلقات السماع، وسموها: مدامة حيدر وتناولوا المخدرات كالحشيشة"(15)، ويقول المقريزي: ((وكثر قدوم الصوفيين إلى مصر، وانتشر شرب الحشيش بينهم حتى سميت: (حشيشة الفقراء) نسبة إلى فقراء الصوفية))(16).

وطريقة الصوفية في تعذيب النفس واحتقارها دفعتهم إلى مزيد من التعمق والتشدد والتفتيش الجواني بصورة تتسم بكثير من الغلو والمغالاة، أوصلتهم إلى الابتلاء بالوساوس والخطرات المزعجة والمرفوضة التي اقتحمت خلواتهم، وسيطرت عليهم مهما أرادوا إبعادها، وأصابتهم بنوبات من القلق والشك والاضطراب النفسي والتهيؤات والتوهمات، فيرى بعضهم أشياء يعتقدها إلهامات روحانية أو مخطابات إلهية، في حين أنها وساوس وتوهمات لتنتهي في النهاية هذه الحالة بالشخص إلى الجنون المؤقت (الفصام) والاضطرابات العصابية، والتي يطلقون عليها: حالة الجذب والفناء.

والصوفية يسمون الليالي التي تسبق حالة الجذب هذه ويصاب فيها الإنسان بالاكتئاب والإحباط والوساس والهوس: (الليالي المظلمة)؛ لما يعاني فيها من اضطرابات وآلام.

يقول الدكتور عرفان عبد الحميد فتاح: ((التجربة الصوفية تسبقها في الغالب من الأحيان وتمهد لها حالة نفسية تتمظهر في الشعور بغياب الطمأنينة، وعدم الراحة، والقلق النفسي، والاضطراب الفكري، اصطلح عليه صوفية الأديان بالليالي المظلمة، ويعتبرون هذه الحالات بوابة التوبة وداعية الإنابة، والشروع في خوض التجربة الصوفية ومعاناة الطريق الصوفي، آملين تجاوز تلك الحالات والوصول إلى الطمأنينة الجوانية، والراحة النفسية، والتغلب على حالات الشك باستعادة اليقين (17).

والحلاج إمامهم المتقدم الذي قتل بالزندقة بعد أن ثبت ذلك عنه.. ذهب إلى الهند، ورأى سحرة الهند يقف الواحد منهم على رأسه الأيام الطويلة بدون أكل أو شرب ولا نوم، فتعلم هذه الرياضة منهم، فإذا وقف على رأسه هذه الفترة يدخل في الفترة التي يسمونها: (المالوخوليا)، وصور وخيالات من الجوع ومن هذه الانتكاسة ومن الشياطين، ويخيل له بأشياء ومخاطبات وكلام، فيقول: الله خاطبنى، أو الرب كلمنى أو كذا، ثم يترقى إلى أن يقول: أنا الله، ما في الجبة إلا الله، أو سبحانك سبحانك"(18).

لذلك لم تكن مغالاة الصوفية في التركيز على الجوانب النفسانية والإيغال في الاهتمام بالروحانيات سبيلا للسعادة التي كانوا يحلمون بها؛ بل كانت مزيداً من الشقاء والعذاب والاضطرابات.

- ثالثاً: الجانب السلوكي:

1- الانحراف الأخلاقي:

الانحراف الأخلاقي صبغ الشخصية الصوفية، وأصبح من السمات الأصيلة فيها.. نحن لا نتهم كل المتصوفة بهذه الصفة، لكننا نتحدث عن تصورات ومفاهيم وانفعالات وممارسات كان لها أثرها في ترسيخ صورة الشخصية الصوفية عبر تاريخ هذه الفرقة.

"المتصوف منحرف بطبعه، وانحرافاته السابقة -العقلية والنفسية- ساهمت في انحرافه الأخلاقي، حيث يصبح من حقه إتيان جميع الفواحش والمنكرات التي يندى الجبين لذكرها، ورغم أن المتصوف يبرر ذلك بتخاريف هي من طبيعة الإيهامات السابقة؛ كالقول بأن الخمر مثلاً تنقلب في بطن الولي إلى لبن، أو أن الزانية لا تكون هي ذاتها، وإنما هي هيئتها فقط، أو أن المتصوف يخاف على نفسه من البقاء في حالته الروحية، ولذلك يعود إلى الواقع والدنيا بمزاولة الفواحش والمنكرات، وكل هذا هو محاولة فقط لتبرير الانحراف الحقيقي الذي يعانيه المتصوف، ولا يجد له علاجاً إلا بالانخراط فيه، وهذا هو المقام الحقيقي الذي يسعى المتصوف للوصول إليه"(19).

وهناك مجموعة من الأسباب دفعت المتصوفة للانحراف الأخلاقي منها:

- القول بوحدة الوجود:

نشأت نظرية (وحدة الوجود) عند ابن عربي، حيث انتهى إلى القول بوحدة الوجود، فقال: ((أن الوجود الحقيقي هو الله سبحانه، ولكننا نرى هذه الكثرة والتعدد قائمة أمام أعيننا فلا يمكن إنكارها، ومن ثم فهذه الموجودات كلها ليست سوى الله ذاته – تعالى، الله عما يقول علواً كبيراً – وكلها مظهر من مظاهره وتجل من تجلياته، وليست آية من آياته كما مفهوم أهل السنة، فحقيقة الرب إذن أنه وجود مطلق لا اسم له ولا صفة، ولا يرى في الآخرة، وليس له كلام ولا علم ولا غير ذلك، ولكن يُرى في الكائنات، فكل كائن هو الله والله هو كل كائن، فاتحد بذلك الوجود مع الخالق المعبود"(20)، وكان من آثار هذه المعتقد قول ابن الفارض: " إن الله تجلى لقيس بصورة ليلى، وتجلى لكُثَيْر بصورة عزَّة، وتجلى لجميل في صورة بُثَيْنَة، في قصيدته التائية المعروفة، فهو يعترف أن هذا من تجليات الحق".

((والشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، الذي دخل بيت الشيخ مكين الدين وعاش عنده فترة، ثم أحب ابنته وقال فيها شعرًا يتغزلها ويصفها، قالوا له: أليس عيبًا أن تقول هذا الكلام في بنت الشيخ الذي استضافك وأعزك وأكرمك؟ فخرج بكتاب على الناس اسمه: (ترجمان الأشواق)، هذا الكتاب الذي ذهب فيه إلى أن كل ما قيل عن بنت الشيخ (مكين الدين) ليس غزلًا فيها، وإنما هو عن الذات الإلهية، وأنه إنما يقصد الذات الإلهية وهو يتغزل في بنت الشيخ (مكين الدين)، فهو إذا وصف القد، أو إذا وصف الخد، أو إذا وصف الوصال أو العناق، أو الصد أو البعد أو القرب، أو ما شاكل ذلك؛ فإنما كل ذلك منسحب على الذات الإلهية!"(21).

ويسوغ الصوفية غرامهم بالمرأة "وهم يقولون: لا ندري لعلها ربنا!، يشير صاحب الفتوحات المكية في هذا الصدد إلى أن حب المرأة ميراث نبوي وعشق إلهي، إذ إن: "شهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله، وأعظم الوصلة النكاح".

-     إبطالهم للشريعة:

ومن أسباب انحرافهم كذلك: إبطالهم للشرائع، واعتقادهم أن هذه الأحكام لعوام المسلمين؛ نظراً لضيق عقولهم وقلوبهم عن استيعاب المعاني العلوية دون الالتزام برسوم وأشكال معينة، "فلما أبطلوا علم الشريعة وأنكروا أحكامها أباحوا المحظورات، وخرجوا عن إلزام الواجبات؛ فأباحوا النظر إلى المردان، والخلوة بأجانب النسوان، والتلذذ بأسماع أصوات النساء والصبيان، وسماع المزامير والدفاف، والرقص والتصفيق في الشوارع والأسواق بقوة العزيمة، فتركوا الحشمة، وجعلوا ذلك عبادة يتدينون بها، ويجتمعون لها، ويؤثرونها على الصلوات، ويعتقدونها أفضل العبادات، ويحضرون لذلك المغاني من النساء والصبيان وغيرهم من أهل الأصوات الحسنة، للغناء بالشبابات والطار والنقر والأدفاف المجلجلة، وسائر الآلات المطربة، وأبيات الشعر الغزلية التي توصف فيها محاسن النسوان، ويذكر فيها ما تقدم من النساء التي كانت الشعراء تهواها وتشبب بها في أشعارها وتصف محاسنها، كليلي ولبنى وهند وسعاد وزينب وغيرهن".

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((كثير من هؤلاء يخرجون عن ربقة العبودية مطلقاً؛ بل يزعمون سقوط بعض الواجبات عنهم، أو حل بعض المحرمات لهم، فمنهم من يزعم أنه سقطت عنه الصلوات الخمس لوصوله إلى المقصود، وربما قد يزعم سقوطها عنه إذا كان في حال مشاهدة وحضور، وقد يزعمون سقوط الجماعات عنهم استغناء عنها، بما فيه من التوجه والحضور، ومنهم من يزعم سقوط الحج عنه مع قدرته عليه؛ لأن الكعبة تطوف به، أو لغير هذا من الحالات الشيطانية، ومنهم من يفطر في رمضان لغير عذر شرعي زعماً منه استغناءه عن الصيام، ومنهم من يستحل الخمر زعماً منه أنها تحرم على العامة الذين إذا شربوها تخاصموا وتضاربوا دون الخاصة من العقلاء، ويزعمون أنها تحرم على العامة الذين ليس لهم أعمال صالحة، فأما أهل النفوس الزكية والأعمال الصالحة فتباح لهم دون العامة".

-     عقيدة الإرجاء:

الصوفية من غلاة المرجئة الذين جعلوا الإيمان مجرد المعرفة، فعدوا إبليس من المؤمنين، وسووا بين فرعون وأبى بكر؛ لذلك نجد ابن عربي يدافع عن جميع الملل والمذاهب باعتبارهم مؤمنين.. يقول ابن عربي:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي             إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة                           فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف                            وألواح توراة ومصحف قرآن

 أدين بدين الحب أنى توجهت                            ركائبه فالدين ديني وإيماني

يحكم ابن عربي بنجاة فرعون موسى، يقول معقباً على قوله تعالى: (( قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ))[القصص:9] "فبه قرت عينها بالكمال الذي حصل لها، وكان قرة عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه الله عند الغرق، فقبضه طاهراً مطهراً، ليس في شيء من الخبث، ويقول عن فرعون أيضاً: "فنجاه الله من عذاب الآخرة في نفسه، ونجى بدنه، فقد عمته النجاة حساً ومعنى"(22).

(ويقص الجيلي إباء إبليس عن السجود لآدم، وقوله: (أنا خير منه)، فيقول الجيلي: "وهذا الجواب يدل على أن إبليس من أعلم الخلق بآداب الحضرة، وأعرفهم بالسؤال، وما يقتضيه من الجواب"، وتابع ذلك في كتابه (الإنسان الكامل)؛ لتراه في إعجابه الرائع بإبليس، وتقديسه له، وحكمه بأنه في الفردوس يوم القيامة، وعقيدة الإرجاء عند المتصوفة ولدت لديهم استهانة بالمحرمات واجتراء، فطالما أنه سيظل مؤمناً فلا غضاضة من أن يأتي الفواحش والمحرمات.

-     قولهم بالجبر:

فالصوفية جبرية في باب القدر، حيث يقولون أن كل ما يجري في هذا الكون من أفعال أن الله تَعَالَى هو الفاعل لها، وليس لغير الله مشيئة ولا إرادة، وقالوا أيضاً: إن الإِنسَان إذا وصل إِلَى مرحلة التوحيد الحقيقي بأن لا يرى في هذا الكون شيئاً سوى الله، أو يقول: لا موجود إلا الله، فلا يرى إلا الله، وأن حركات النَّاس وسكناتهم كلها من فعل الله؛ فلا تقل: هذه طاعة، ولا تقل: هذه معصية، ولا هذا كفر، فكله من الله، وهذا غاية التوحيد،

يقول الدكتور يوسف القرضاوي:" هذه الاتجاهات قتلت نفسيات كثير من أبناء المسلمين، فسرت فيهم روح جبرية سلبية، كاعتقادهم القائل: أقام العباد فيما أراد.. دع الملك للمالك، واترك الخلق للخالق.. يعني بذلك أن يكون موقفه سلبيًا أمام الانحراف والفساد، وأمام الظلم والاستبداد، وهذا أيضًا من الغلو والانحرافات التي ظهرت عند الصوفية" (23).

ومن أمثلة الجبر عندهم: قول ابن عربي: ((ومَن اتسع في علم التوحيد ولم يلزم الأدب الشرعي فلم يغضب لله ولا لنفسه... فإن التوحيد يمنعه من الغضب؛ لأنه في نظره ما ثمَّ من يغضب عليه لأحدية العين عنده في جميع الأفعال المنسوبة إلى العالم، إذ لو كان عنده مغضوبٌ عليه لم يكن توحيدٌ، فإنَّ موجب الغضب إنما هو الفعل، ولا فاعل إلا الله".

وهذا السلوك الجبري لم يجعل المتصوفة يفرقون بين طاعة ومعصية مادام أن كلاً من عند الله على زعمهم، الأمر الذي هون من شأن المعصية في نفوسهم وجرأهم عليها.

-     طلب ذم الناس:

سعى بعض المتصوفة جاهدين لطلب ذم الناس لهم؛ ظناً منهم أن ذلك أدعى للإخلاص وأحفظ له وأسر للعبادة، وكان سبيلهم لطلب الذم هو إتيان المحرمات، ومن أشهر طرق الصوفية التي تبنت هذا الأمر: طريق (الملامتية)،ويرى هؤلاء أن العمل بشيء من العبادات في الظواهر شركاً، فلاموا أنفسهم على جميع ما أظهروه من أنواع القرب والعبادات، وأظهروا للخلق قبائح ما هم فيه، وكتموا عنهم محاسنهم، فلامهم الخلق على ظواهرهم.

فهؤلاء القوم أظهروا القبائح بزعمهم ازدراء لأنفسهم، وحتى لا يتعلق بهم الناس، وحتى لا يظنوا فيهم أنهم أولياء، وهم يريدون أن يكونوا أولياء في الباطن فقط ولا أحد يعلم بهم، ولكي ينزهوا أنفسهم عن الرياء وعن كلام الناس أظهروا القبائح، وأظهروا المعايب والشنائع، حتى إن منهم من كان يأتي الفاحشة في الدواب علانية أمام الناس، ومنهم من سرق لباس أحد الناس ولبسه بحيث يرى وخرج إلى الشارع، وكان الناس يعتقدون فيه الولاية، فلما رأوه أدركوه وضربوه وأخذوا الملابس، فقيل له في ذلك فقال لهم: حتى أسقط من أعينهم وأبقى في عين الله الحق))، كل هذا كما يقولون: في سبيل تزكية النفس وتطهيرها، وهذه لم تكن طريقة الشرع؛ لا في القصد إلى إظهار الطاعات ابتداء، ولا في طلب ذم الناس، وهو أمر مخالف للشرع وللفطر السوية، خاصة إذا اقترن بمحرم، فولاية الله تطلب بالانصراف كلية عن ملاحظة الخلق في النيات والأعمال، وإن كان الإنسان متعبداً فيما يتعبد به من أوامر الشرع برماعاة أحوال الناس وعدم الوقوف في مواقف التهم، فضلاً أن يقارف كبيرة تسقطه من عين الله قب لأن يسقط من عين نفسه وتفتح له باباً من أبواب الشر، ويتبع فيه خطوات الشيطان الذي يأمره بالمنكر.

-     الجذبة:

حالة الجذب باعتبارها في حس العامة خروج الإنسان عن بشريته وطبيعته إلى حالة من الوجد والاحتراق لا يمكنه السيطرة عليها -وفرت للمتصوفة هامشاً من الحرية كبيراً كان بمثابة الغطاء الذي يبرر به المتصوف انحرافاته، حيث ينعتق المريد من القيود الاجتماعية والشرعية، ويتنصل من الالتزامات والمواضعات الأخلاقية؛ بل ويضفي العامة هالة من التمجيد والإعلاء لهذا الانحراف.

يتحدث الشعراني في طبقاته عن أحد الأقطاب فيقول: ((الشيخ إبراهيم العريان، كان رضي الله عنه إذا دخل بلداً سلّم على أهلها كباراً وصغاراً بأسمائهم، حتى كأنه تربى بينهم، وكان رضي الله عنه يطلع المنبر ويخطب عرياناً، فيحصل للناس بسط عظيم)) (الطبقات الجزء الثاني ص: 142).

2-   السلوك السلبي الاعتمادي:

والشخص الذي يتسم بهذا السلوك يعتمد على الآخرين في حياته، وهو دائماً سلبي في التعاطي مع الأزمات التي قد تواجهه، منعزل عن الناس، والمتصوفة بحجة حفظ الباطن عاشوا عالة على الناس، وزعموا أنهم لو اشتغلوا بكسب المعاش انقطعوا عن حفظ الباطن، وتشوش عليه بالالتفات عن أنواع الواردات الباطنية إلى مراعاة الجسد الفاني.

نقل عن أبي جعفر الحداد -وكان أستاذ الجنيد- أنه كان يخرج بين العشائين، ويسأل من باب أو بابين.

"وذكر عن النوري أنه كان يمدّ يده ويسأل الناس.

وذكر النفزي الرندي عن أبي سعيد الخراز أنه كان يمدّ يده ويقول: ( ثمّ شيء لله ).

وابن عجيبة الحسني ذكر عن التجيبي ابن ليون أنه بين أصل السؤال ومسألة الزنبيل، فيقول: ( كيفيته: أن يتوضأ الرجل ويصلي ركعتين، ويأخذ الزنبيل (يعني وعاء) بيده اليمنى، ويخرج إلى السوق ومعه رجل آخر يذكر الله ويذكر الناس، والناس يعطونه في ذلك الزنبيل حتى يجمع ما تيسر من الطعام، ويعبّه بين الفقراء فيأكلون طعاماً حلالاً بلا تكلف ولا كلفة، هذا ما تيسر لنا في حكم السؤال"(24)

وفي هذا السبيل بنى المتصوفة التكايا والزوايا، وهي دكاكين للبطالة والبطل، مستريحين من كدّ المعاش، متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص، يطلبون الدنيا من كل ظالم، يقول ابن عقيل: ((اتخذوا مناخ البطالة -وهي الأربطة- فانقطعوا إليها عن الجماعات في المساجد، فلا هي مساجد ولا بيوت ولا خانات، وصمدوا فيها للبطالة عن أعمال المعاش"(25).

وساهم قولهم بالجبر في تعميق الاعتمادية والسلبية في سلوكياتهم؛ إذ ما الداعي للكد والتعب وكل ما يجري هو من فعل الله وليس لغيره مشيئة ولا إرادة، فالمتصوفة يؤمنون بالجبرية المطلقة – السلبية المطلقة – والتوكل عندهم هو تواكل، يقعد ليذهب في البادية بدون أي زاد يقول: إنه متوكل على الله.

وهذا السلوك السلبي الاعتمادي يفسر مواقفهم تجاه الهجمات المستمرة التي يتعرض لها المسلمون في القديم والحديث.

فمن ذلك: ما ذكره مصطفى كامل في كتابه: (المسألة الشرقية) قائلاً: "ومن الأمور المشهورة عن احتلال فرنسة للقيروان، أن رجلاً فرنساوياً دخل الإسلام، وسمى نفسه: سيد أحمد الهادي، واجتهد في تحصيل الشريعة، حتى وصل إلى درجة عالية، وعين إماماً لمسجد كبير في القيروان، فلما اقترب الجنود الفرنساوية من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها، وجاءوا يسألونه أن يستشير لهم ضريح شيخ في المسجد يعتقدون فيه، فدخل سيد أحمد الضريح، ثم خرج مهولاً لهم بما سينالهم من المصائب، وقال لهم: بأن الشيخ ينصحكم بالتسليم؛ لأن وقوع البلاد صار بحتاً، فاتبع القوم البسطاء قوله، ولم يدافعوا عن القيروان أقل دفاع؛ بل دخلها الفرنساويون آمنين"(26).

3-   الغلو والتطرف:

اتسمت الشخصية الصوفية بالغلو والتطرف في كثير من تصوراتها وآرائها وممارساتها، واتخذ هذا الغلو مظاهر عدة سواء على مستوى الأفكار أو السلوك.

فمن صور الغلو عند المتصوفة في العقائد: قولهم بوحدة الوجود، حتى وصل ببعضهم الأمر إلى الاعتقاد أن الشيطان أفضل من كل الملائكة، وفرعون أفضل من موسى؛ لأن فرعون أدرك الحقيقة الإلهية، وموسى لم يدركها، والإنسان هو الله، وكل عبادة من عبادات البشر هي عبادة صحيحة، حتى العبادات الوثنية؛ لأن الله هو الوجود نفسه، فهو الكلب -حاشا لله- وهو الخنزير، وهو كل هذه المخلوقات، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً!!!

ومن صور الغلو: تعطيلهم للشرائع، وإسقاط التكليف، وإسرافهم في التفسير الباطني للقرآن والسنة.

ومن صور التطرف: سعيهم لاجتناب المباحات، وقولهم: أن المباح على العارف هو من المحرمات، إلى اجتناب الموبقات بل والشرك.

ومن صور التطرف: التحقير من شأن العقل والجسد، والتطرف في التركيز على الاهتمام بالجوانب النفسية.

ومن صور المغالاة: الإمعان في تعذيب النفس وحبسها عن الطعام والشراب لأيام وشهور، وقد مر بك طرف منها، يقابل هذا الإسراف في الطعام والشراب، "فقد كانت توصف أماكن التصوف بالترف والسعة نتيجة ما رصد لها من أوقاف، وأوضح ابن جبير مدى رفاهية العيش التي حظي بها الصوفية داخل الخوانق والربط في العهد الأيوبي"(27).

ومن صور التطرف: ذم الزواج ومفارقة الزوجات، يقول السهروردي: التزوج انحطاط من العزيمة إلى الرخص، ورجوع من الترمح إلى النقص، ونقل الشعراني عن رباح بن عمرو القيسي وهو من الصوفية الأوائل- أنه قال: لا يبلغ الرجل إلى منازل الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة، وأولاده كأنهم أيتام، ويأوي إلى منازل الكلاب، وذكر السراج الطوسي أيضاً قصة صوفي تزوج من امرأة فبقيت عنده ثلاثين سنة وهي بكر، وذكر العطار عن عبد الله بن خفيف الصوفي المشهور أنه تزوج أربعمائة امرأة ولكنه لم يجامع واحدة منهن"(28).

يقابل هذا التطرف في العزوف عن المرأة تطرف آخر من بوهيمية شهوانية وإباحية منقطعة النظير، يتحدث الشعراني عن أحد المتصوفة فيقول: ((الشيخ علي وحيش كان رضي الله عنه من أعيان المجاذيب أرباب الأحوال، ثم يذكر أنه كان يأتي البهائم))(29).

ومن صور التطرف: الغلو في الصالحين والشيوخ، حتى إن "الشيخ نجم الدين يستحي أن يصلي باتجاه القبلة وخلفه الشيخ أبو العباس المرسي (القطب) فأدار وجهه باتجاه القطب الشيخ أبو العباس (30).

- رابعاً: الجانب الجسماني:

المتصوفة يرون أن من أهم الأشياء على السائرين في الطريق أن يتجاوزوها نحو السمو الروحي هو: الجسد الذي يشكل -كما يرون- عبئاً على الروح، فيشدها إلى التسافل نحو تلبية حاجاته وإشباعها، ومن ثم يوصي السائرون في طريق ما يسمى بالمجاهدات والرياضات الروحية بالتجرد من التعلقات، وخصوصاً تعلقات الجسد وحاجاته، ففناء الجسد عند الصوفية هو غاية الغايات (31).

ويعتقد الصوفية أن الإنسان " لا يكون حكيماً حتى يتخلص من العلائق البدنية الجسمانية، ويتغلب على العوائق الردية الظلمانية، ويصل الحال بالسائر في هذا الطريق أن يقطع كل صلته بالناس ويخلع من نفسه سلطان البدن، لذلك تخرج النفس من مبدئها الروحي، كما يقول السهروردي في هياكل النور"(32).

والصوفية في سبيل تحقيق هذه الغاية قاموا بتعذيب أجسامهم، حتى نحلت وأصابها الوهن، وقد مر بنا أن أحد الصوفية القدامى الهويجري عن أبي عثمان المغربي:" أنه في بداية حاله اعتزل عشرين سنة في البوادي بحيث لم يكن يسمع آدمياً، حتى ذابت بنيته من المشقة، وصارت عيناه كسّم الخياط، وتحول عن صورة الآدميين.

كما لم يهتم الصوفية بنظافة أجسامهم، فيحكي الشعراني في ترجمة (شمس الدين محمد الحنفي): (ومنهم سيدنا ومولانا شمس الدين الحنفي رضي الله تعالى عنه ورحمه.. إلى أن قال: ولما دنت وفاته بأيام كان لا يغفل عن البكاء ليلاً ولا نهاراً، وغلب عليه الذلة والمسكنة والخضوع، حتى سأل الله تعالى قبل موته أن يبتليه بالقمل والنوم مع الكلاب، والموت على قارعة الطريق، وحصل له ذلك قبل موته، فتزايد عليه القمل حتى صار يمشي على فراشه، ودخل له كلب فنام معه على الفراش ليلتين وشيئاً، ومات على طرف حوشه، والناس يمرون عليه في الشوارع"(33).

وقال أيضاً في ترجمة بركات الخياط: ((وكان دكانه منتناً قذراً؛ لأن كل كلب وجده ميتاً أو قطاً أو خروفاً يأتي به فيضعه داخل الدكان، وكان لا يستطيع أحد أن يجلس عنده "(34).

كما كان المتصوفة لا يرتدون إلا الصوف الخشن والأسمال البالية؛ بل إن بعضهم كان لا يستر جسده نهائياً ويعدها من كراماته.

وينقل عن إبراهيم المتولي أنه قال: (( كل فقير لا يحصل له جوع ولا عري فهو من أبناء الدنيا)).

وينقلون عن الرفاعي أحمد بن أحمد بن أبي الحسين صاحب الطريقة الرفاعية أنه كان يقول: أكره للفقراء

دخول الحمام، وأحب لجميع أصحابي الجوع والعري والفقر والذل والمسكنة، وأفرح لهم إذا نزل بهم ذلك)).

** وأخيراً:

يتضح من خلال هذا العرض السريع للشخصية الصوفية خلال تاريخ هذه الفرقة البون الشاسع بينها وبين الشخصية الإسلامية.

فالبناء الإسلامي للشخصية حرص على الربط بين مكونات الشخصية جميعاً: العقلية، والنفسية، والسلوكية، والجسمية؛ ليجعل منها كياناً واحداً مترابطاً يشملها جميعاً دون إفراط ولا تفريط، ودون أن يطغى أي جانب منها على الآخر، فهو لم يرفع الإنسان إلى درجة الألوهية، كما لم ينزل به إلى دركات البهيمية، كما أنه ليس في الإسلام ذلك النوع من الرهبانية أو الحرمان أو التعذيب الذي يدعي أصحابه أنه يصل بهم إلى المعارف العليا، وليس فيه كذلك هذه النزعة المادية التي تجعل منتهى غاياته هي إشباع شهواته، (( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ))[الروم:30].

 

1- الفوائد (ص: 29).

2- الثقافة والشخصيّة، عيسى الشماس

3- هذه هي الصوفية، عبد الرحمن الوكيل.

4- طبيعة الشخصية الطرقية، عمر مناصريه، موقع الشهاب.

5- الأنوار القدسية، لعبد الوهاب الشعراني.

6- الإسلام والطاقات المعطلة، محمد الغزالي.

7- البداية والنهاية (11/ 154) لأبي الفداء ابن كثير.

8- بد العارف، لعبد الحق بن إبراهيم بن محمد الرقوطي نقلاً عن خصائص المصطفى صلى الله عليه وسلم بين الغلو والجفاء.. رسالة ماجستير من إعداد الصادق بن محمد بن إبراهيم.

9- نقلاً عن خصائص المصطفى صلى الله عليه وسلم بين الغلو والجفاء، رسالة ماجستير من إعداد الصادق بن محمد بن إبراهيم.

10- التــصوف المنشأ والمصادر، إحسان إلهي ظهير.

11- التصوف المنشأ والمصادر، مصدر سابق.

12- فضائح الصوفية، عبد الرحمن عبد الخالق.

13- شرح الطحاوية، سفر الحوالي، أشرطة.

14- في التصوف المقارن: ملاحظات منهجية، عرفان عبد الحميد فتاح، مجلة المعرفة.

15- في التصوف المقارن، مصدر سابق.

16- الخطط، لتقي الدين أحمد بن علي المقريزي، (2 / 126).

17- في التصوف المقارن، مصدر سابق.

18- رسالة من الدكتور سفر الحوالي لأحد المسلمين في أمريكا.

19- طبيعة الشخصية الطرقية، مصدر سابق.

20- الصوفية نشأتها وتطورها، لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم، دار الأرقم.

21- رابعة العدوية.. الشخصية والأسطورة، لمحمد جميل غازي.

22- هذه هي الصوفية، عبد الرحمن الوكيل (ص: 96).

23- موقع إسلام أون لاين، الدكتور يوسف القرضاوي.

24- التصوف المنشأ والمصادر، إحسان إلهي ظهير.

25- نقلاً عن فضائح الصوفية، عبد الرحمن عبد الخالق.

26- نقلا عن هذه هي الصوفية، عبد الرحمن الوكيل.

27- طبقة العامة في مصر في العصر الأيوبي، شلبي إبراهيم الجعيدي، كثير من مشايخ التصوف الآن يعيشون في قصور فاخرة.

28- التصوف المنشأ والمصادر، إحسان إلهي ظهير.

29- الطبقات للشعراني (2 / 149).

30- لطائف المنن (ص: 74)، نقلاً عن الصوفية نشأتها وتطورها، محمد العبدة، طارق عبد الحليم، سابق.

31- ينظر: مقالة الرحلة الصوفية وثنائية الجسد والروح، شمخي جبر، موقع الطريقة العلية القادرية الكسنزانية.

32- ينظر: مقالة الرحلة الصوفية السابق.

33- طبقات الشعراني (2/ 88).

34- طبقات الشعراني (2/144).

cytotec abortion click where to buy abortion pills online
cytotec abortion abortion pill where to buy abortion pills online
where can i buy abortion pills click here buy the abortion pill online
where can i buy abortion pills click here buy the abortion pill online
where can i buy abortion pills buy abortion pills online buy the abortion pill online
medical abortion pill online abortion pill abortion pill buy online
medical abortion pill online abortion pill abortion pill buy online
where to buy abortion pill abortion pill order abortion pill online
where to buy abortion pill ordering abortion pills to be shipped to house order abortion pill online
where to buy abortion pill abortion pill order abortion pill online
women who cheat with married men reasons why women cheat on their husbands cheater
why women cheat in relationships what to do when husband cheats how many guys cheat
I cheated on my girlfriend why do wifes cheat click
want my wife to cheat how many women cheat married cheaters


أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب