اليوم : الأثنين 11 ذو القعدة 1442هـ الموافق:21 يونيو 2021م
من مشكاة النصح.. علي جمعة والطواف بالقبور
تاريخ الإضافة: الأثنين 3 رجب 1429هـ

إن من أتم النصح وآكده التحذير من الشرك وسد الذرائع المفضية إليه، وبيان خطورة العقوبة المترتبة عليه، ونقيض ذلك هو الغش البين لعامة المسلمين؛ من تهوين جناب الشرك ووسائله، وتبرير أفعال العوام الوالغين فيه، ولئن يوضح ذلك لهم حتى يحذروا منه ويبتعدوا عنه خير من التلبيس الذي يسيغه لهم، ولا يغير من حقيقة الأمر شيئاً.

ومن تأمل هديه عليه الصلاة والسلام في محاربة أسبابه فهم هذه الجملة، وكذا الصحابة من بعده، وقد حرص فقهاء الإسلام فأفردوا من كتب الفقه: باب الردة، وهذه التوطئة نريد من خلالها أن نلج إلى مناقشة آراء د/ علي جمعة مفتي مصر حول مسألة الطواف بالقبور التي أثارها د/محمد عبد الغفار الشريف في جريدة الوطن الكويتية العدد (10857)، ونضع بين يدي المناقشة هذه الوقفات الأربع:

الأولى: لقد فرح د/جمعة بما نقله في مسألة الطواف بالقبور بأن شارع بكفر فاعلها بها، وهو إلباس بالغ في الإيهام، فأفسد المسألة من حيث أراد إصلاحها، والحقيقة أن مناط من تأقوال العلماء فيها دائرة بين الكراهة والتحريم فقام في تأصيله الثلاثة الأصول بإلحاق كل الأقوال والأفعال التي حكم الكلم في الطواف بالقبر ممن نقل عنه مجردة عن غيرها إنما هو النهي لما فيها من التعظيم البالغ كأنه في مرتبة الكعبة، ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم، كما هو مناط الذين أطلقوا الشرك فيها، فالتشبه بذلك مكروه عند بعضهم، وينبغي أن يكون كراهة تحريم كما هو قول الجمهور، فخلط د/جمعة بين المناطين، وأنزل الأول المقيد بمسألة الطواف التي هي أخية للسجود للقبر والاستغاثة بصاحبه عنده -كما سيأتي- ابتغاء التسوية بين المناطين، ثم الاحتجاج بعد ذلك عليهما معاً بنقل أقوال العلماء في الأول منهما.

الثانية: أن الطواف الذي يدندن حول ويقرنه بالسجود للقبر، ويشفع ذلك بالحديث عن الاستعانة والدعاء لغير الله هو مضاد لإخلاص التوحيد؛ لأنه صرف العبادة لغير الله، ولذلك يطلق العلماء الشرك على فاعلها في سياق الأفعال التي تقترن به من غير تفصيل قال ابن القيم في حديثه عن مكائد الشيطان في إضلال القبوريين: (يتخذ قبره وثناً يعكف عليه، ويوقد عليه القناديل، ويعلق عليه الستور، ويبنى عليه المسجد، ويعبده بالسجود له، والطواف به، وتقبيله واستلامه، والحج إليه والذبح عنده، ثم ينقله ـ أي: الشيطان ـ درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيداً ومنسكاً، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم) إغاثة اللهفان (1/217).

الثالثة: ما ذكر من الطواف بالقبور إنما هو ثمرة لذرائع أخرى قد سدها الشرع، فخالفها أولئك لما تجرأوا على إقامة القباب على القبور، ووضع التوابيت عليها، وتعظيم الأموات، وأما لو كانت القبور على السنة النبوية مسواة بالأرض لما وجدت هذه المسألة سبيلاً، قال الشوكاني: (فلا شك ولا ريب أن السبب الأعظم الذي نشأ منه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما زينه الشيطان للناس من رفع القبور، ووضع الستور عليها، وتجصيصها وتزيينها بأبلغ زينة، وتحسينها بأكمل تحسين؛ فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد بنيت عيه قبة فدخلها ونظر على القبور الستور الرائعة، والسرج المتلألأة، وقد سطعت حوله مجامر الطيب؛ فلا شك ولا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيماً لذلك القبر، ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا الميت من المنزلة، ويدخله من الروعة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية التي هي من أعظم مكائد الشيطان للمسلمين وأشد وسائله إلى ضلال العباد ما يزلزله عن الإسلام قليلاً قليلاً حتى يطلب من صاحب ذلك القبر ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، فيصير في عداد المشركين ) (ص: 76).

الوقفة الرابعة: كلام شاهد عدل على ما يكون في مثل هذا الطواف، وهو رشيد رضا، يصور جماعة من هؤلاء القبوريين فيقول: ( تطوف حول قبر السيد البدوي الذي تحول إلى كعبة ثانية، وكانت هذه الجماعة تطلب من السيد لما شاع بينها من القصص والحكايات حول مقدرته العجيبة في قضاء الحوائج) دمعة على التوحيد (ص:64).

قوله: ( الأصل الأول الذي في الأفعال التي تصدر من المسلم: أن تحمل على الأوجه التي لا تتعارض مع أصل التوحيد، ولا يجوز أن نبادر برميه بالكفر أو الشرك؛ فإن إسلامه قرينة قوية توجب علينا ألا نحمل أفعاله على ما يقتضي الكفر.. ).

وهذا أصل مبني على قواعد غلاة المتكلمين من مرجئة الجهمية الذين تبعهم من زعم أن الشرك لا يكون في الأفعال؛ كالسجود لغير الله والذبح له والاستغاثة به ودعائه من دون الله، ولا يكون ذلك شركاً إلا مع الاعتقاد، وهو ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالتصريح بالجحود، والعموم الوارد في لفظة ( الأفعال ) في عبارة د/ جمعة يفيد ذلك، وزاده توضيحاً بذكر الأمثلة التي سنناقشها، كما أن المراد بلفظ (الأفعال) أيضاً ما يقابل التصديق، فتشمل عمل اللسان، فكما يدخل دعاء غير الله يدخل أيضاً سب الله تعالى، وقد صرح في التمثيل على الأصل بمثالين للأفعال: (لفظي وفعلي).

والتكفير عند أهل السنة حكم شرعي يكون بالقول والفعل، وضابط القول والفعل المكفرين هي التي نص الشارع على كفر من أتى بها، وهذا واضح في كتب العقائد، وقد أفاض الفقهاء في ذكره في أبواب الردة من كتب الفقه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفرَ بذلك ) الصارم المسلول (ص: 177).

وأما اشتراط الاعتقاد في قول الكفر فقد رد ابن الوزير على قائله بما نصه: ( وعلى هذا لا يكون شيء من الأفعال والأقوال كفراً إلا مع الاعتقاد، حتى قتل الأنبياء، والاعتقاد من السرائر المحجوبة، فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص ) إيثار الحق (ص: 419).

وقد ذكر العلماء أنواعاً من هذه الأفعال التي يكفر فاعلها دون اشتراط الاعتقاد، نذكر منها:

قال الإمام أحمد في رده على جهم في مذهبه الفاسد: ( يلزمه أن يقول إذا أقر ثم شد الزنار في وسطه، وصلى للصليب، وأتى الكنائس والبيع، وعمل الكبائر كلها، إلا أنه في ذلك مقر بالله، فيلزمه أن يكون عنده مؤمناً، وهذه الأشياء من أشنع ما يلزمهم ). كتاب الإيمان (ص: 384).

وقال إسحاق بن راهويه: ( قد أجمع المسلمون أن من سب الله وسب رسوله عليه الصلاة والسلام، أو دفع شيئاً مما أنزل الله، أو قتل نبياً من الأنبياء أنه كافر بذلك، وإن كان مقراً بما أنزل الله ) الصارم المسلول (ص:512).

وقال القاضي عياض: ( وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك الفعل؛ كالسجود للصنم والشمس والقمر والصليب والنار، والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم من شد الزنانير، وفحص الرؤوس، فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لا يوجد إلا من كافر، وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام ). الشفاء.

 ومن لم يقل بهذا القول فقد استدرك على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قتال أهل الردة، وادعى أنه قتل قوماً أقروا بالدين، قال أبو يعلى: ( وأيضاً فإنه إجماع الصحابة، وذلك أنهم نسبوا الكفر إلى مانع الزكاة، وقاتلوه، وحكموا عليه بالردة، ولم يفعلوا ذلك بمن ظهر منه الكبائر، ولو كان الجميع كفراً لسوّوا بين الجميع ) مسائل الإيمان (ص:330).

وقد درج الفقهاء في باب الردة من كتب الفقه وكذا الفتاوى على أن الكفر قد يكون بالقول والفعل والاعتقاد، قال السبكي: ( التكفير حكم شرعي سببه جحد الربوبية، أو الوحدانية، أو الرسالة، أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جحداً ) الفتاوى.

وأدرك المتأثرون بالأشاعرة والماتريدية أن تعريف الإيمان بأنه التصديق فقط، أو التصديق مع النطق بالشهادتين عند المرجئة غير مانع لانتفاء الإيمان مع فعل بعض الأمور التي تعمدها كفر، فاحتاجوا إلى إضافة قيد لتعريف الإيمان بهذا المفهوم، قال الزبيدي: ( وعلى القول بأن مسمى الإيمان التصديق بالقلب -كما هو قول الأشعري والماتريدي- أو بالقلب واللسان -كما هو مذهب الحنفية- فقد ضم إليه في تحقق الإيمان أمور الإخلال بها إخلال بالإيمان اتفاقاً، كترك كل من سجود الصنم، وقتل نبي، أو استخفاف به والمصحف... قال الإسفرائيني: فإذا وجد شيء من هذه الإخلالات السابق ذكرها دلنا على أن التصديق الذي هو الإيمان مفقود من قلبه ) إتحاف السادة.

وقال ابن حجر العسقلاني: ( فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم عليه بكفر، إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم ) فتح الباري (1/63).

وقد نقل الإجماع عن تقي الدين السبكي على تكفير من سجد للصنم ونحوه ممن لا تصريح بالجحود فيه، وإن كان معتقداً بالإسلام إجمالاً عاملاً بالواجبات. فتح الباري (12/299).

وقال ابن حجر الهيتمي: (وإن نحو السجود لنحو الشمس من مصدق بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام كفر إجماعاً، ثم إن كونه كفراً بأنه يدل على عدم التصديق ظاهراً، ونحن نحكم بالظاهر، ولذا حكمنا بعدم إيمانه؛ لأن عدم السجود لله داخل في حقيقة الإيمان) التحفة، باب الردة.

وقال ابن حجر الهيتمي أيضاً: (والحاصل أن الإيمان على هذه الطريقة التي هي طريقة المتكلمين له حيثيات النجاة في الآخرة، وشرطها التصديق فقط، وإجراء أحكام الدنيا، ومناطها النطق بالشهادتين مع عدم السجود لغير الله، ورمي المصحف بقاذورة، وغير ذلك من الصور التي حكم الفقهاء بأنها كفر): التحفة.

وقولهم: أن ذلك أمارة للكفر أو دال عليه ناشئ من تعريف الإيمان عند المرجئة وحصره في التصديق، وهو ليس صحيحاً؛ بل السجود للصنم وغيره مما ذكروه كفر في حد ذاته، وشرك بالله تعالى في العبادة، وأما أنه كافر في الظاهر وقد يكون مؤمناً في الباطن وناجياً في الآخرة فإنه من كيس غلاة المرجئة.

والأشاعرة الذين زعموا أن من فعل ما يكفر به كفر، وعللوا ذلك بأنه لانتفاء التصديق، إنما هو للجمع بين ما قرروه في مسمى الإيمان، وبين ما ذكره الفقهاء من حصول الكفر بمجرد الأفعال المكفرة، ويتضح هذا في مسألة من سب الله التي لم يجدوا مخرجاً في إيجاد هذا التوافق فيها.

قال ابن حزم: ( وأما الأشاعرة فقالوا: إن شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم، وإعلان الكذيب بهما باللسان بلا تقية ولا حكاية، والإقرار بأنه يدين بذلك ليس شيء من ذلك كفراً، ثم لما خشوا مبادرة جميع أهل الإسلام لهم فقالوا: لكنه دليل على أن في قلبه كفراً). الملل والنحل (5/75).

وقال شيخ الإسلام: (اعترف الأشاعرة بما في أقوالهم من التناقض فالتزموا أن كل من حكم الشارع بكفره فإنه ليس في قلبه من معرفة الله ولا معرفة رسوله، وقد أنكر عليهم هذا جماهير العقلاء وقالوا: هذه مكابرة وسفسطة). كتاب الإيمان (ص:140).

وقال أيضاً: (ثم رأوا أن الأمة قد كفرت الساب فقالوا: إنما كفر لأن سبه دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام، واعتقاد حله تكذيب للرسول، فكفر بهذا التكذيب لا بتلك الإهانة، وإنما الإهانة دليل على التكذيب). الصارم المسلول (ص:491).

 فالذين قالوا بأن من أتى بقول أو فعل مكفرين كفر ظاهراً وباطناً في الدنيا والآخرة من الفقهاء والأشاعرة فقد وافقوا أهل السنة، واختلفوا في تفسير ذلك، قال شيخ الإسلام: ( قولهم: كل من كفره الشارع فإنما كفره لانتفاء تصديق القلب بالرب تبارك وتعالى، وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم). الإيمان (ص: 364).

 وأما القائلون بكفره ظاهراً في أحكام الدنيا وقد يكون مؤمناً في الباطن إذا كان مصدقاً بقلبه، وإنما جعلوا الأقوال والأفعال دالة على الكفر لإجراء أحكام الدنيا؛ فهذا قول الغلاة من المرجئة، قال شيخ الإسلام: (ولهذا كفر السلف كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبي عبيدة وغيرهم أصحاب هذه المقالة؛ لأنها تكذيب بخبر الله تعالى بأن هذا كافر ظاهراً وباطناً، وهم يقولون: يجوز أن يكون مؤمناً في الباطن). الإيمان (ص: 188).

والخلاصة: أن من أتى بمكفر من قول أو فعل نص الشارع عليهما فإنه يكفر بذلك، من غير تقييد كفره باشتراط الاعتقاد، وعلى ذلك أهل السنة، ونص عليه الفقهاء، ووافقهم الأشاعرة مع الاختلاف في التفسير، وخالف غلاة المرجئة فحكموا بكفره ظاهراً وجوزوا أن يكون مؤمناً باطناً، ولكن د/ جمعة قد تبع قول جهمية المرجئة الذين لا يحكمون بتكفير من أتى بمكفر من قول أو فعل ما دام عنده قرينة الإسلام، ولم يقترب من الأشاعرة أو مرجئة الفقهاء فضلاً عن أهل السنة، وهذه الأقوال المكفرة التي ذكرها العلماء تلزمه؛ فإن لم يلتزمها فقد نقض أصله، وإلا فقد نادى على نفسه باتباع الغلاة، نعوذ بالله من الخذلان!

قوله: )وقد عبر الإمام مالك عن ذلك بقوله: ((من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهاً ويحتمل الإيمان من وجه نحمل أمره على الإيمان)).

هذه الجملة عليها عدة ملاحظات هي:

الأولى: أن الاستدلال بها في هذا الموضع في غير موضعه؛ لأن مراد قائلها هو في الحكم على المعين، فيكون الاستدلال من هذه الحيثية فيه جهل، وأما نسبة قائلها إلى عدم الحكم بما حكم الشارع أنه كفر ففيه ظلم.

الثانية: لم يذكر الدكتور مصدر نسبتها إلى الإمام مالك؛ فإن صحت عنه فذاك، وإلا فالمشهور أنها لبعض الأحناف، كما قال جمال الدين القاسمي: ( لما استفحل الرمي بالتكفير والتضليل لخيار العلماء في منتصف قرون الألف الأولى من الهجرة ضجت عقلاء الفقهاء، وصوبت سهام الردود في وجوه زاعمي ذلك، حتى قالت الحنفية عليهم الرحمة ما معناه: لو أمكن أن يكفر المرء في أمر من تسعة وتسعين وجهاً ومن وجه واحد لا يكفر؛ يرجح عدم التكفير لخطره في الدين). الجرح والتعديل (ص: 39).

الثالثة: أن تحذير الشارع من خطورة التكفير قد جاء مبيناً في النصوص الشرعية بما يغني، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ))[النساء:94].

وعن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: ( أيما رجل قال لأخيه يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما ). رواه الشيخان، وفي بيان ذلك يقول الإمام الشوكاني: (واعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار؛ فإنه قد ثبت في الأحاديث المروية عن طريق جماعة من الصحابة أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما). السيل الجرار (4/578).

الرابعة: لا يمكن أن نستدل بهذه العبارة في تهوين الكفر الثابت بالنصوص وإيصاد باب الردة، فنحكم بإسلام من ثبت كفره بدليل، وهذا مسلك لا يقل خطورة ولا انحرفاً عن التسرع في التكفير، وكلا قصد طرفي الأمور ذميم، ومن هنا أفاض الفقهاء في بيان أنواع الشرك حتى يحذره العامة، ونصوا على دون ما خاض فيه د/جمعة من السجود للقبر والطواف به، قال ابن حجر الهيتمي في الزواجر: ( بيان الشرك وذكر جملة من أنواعه لكثرة وقوعها في الناس على ألسنة العامة من غير أن يعلموا أنها كذلك، فإذا بان لهم بعضها فلعلهم أن يجتنبوها لئلا تحبط أعمالهم، ويخلدوا في أعظم العذاب وأشد العقاب، ومعرفة ذلك أمر مهم جداً) (1/28).

الخامسة: العبارة واضحة في تكفير المعين، وهناك بون شاسع بينه وبين التكفير المطلق بالأفعال التي يكفر بها فاعلها، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة، إذا قال قولاً يكون القول به كفراً فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر، ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها) الدرر السنية (8/244).

قوله في ذكر مثال قولي للأصل: (فإذا سمعنا مسلماً موحداً يقول: أنا أعتقد أن المسيح يحيي الموتى، ونفس تلك المقالة قالها آخر مسيحي، فلا ينبغي أن نظن أن المسلم تنصر بهذه الكلمة؛ بل نحملها على المعنى اللائق بانتسابه إلى الإسلام).

 هذا المثال الذي ساقه د/ جمعة ليس دقيقاً في تطبيقه على القاعدة التي ذكرها؛ لاشتماله على حق وباطل، فصدور هذه اللفظة من المسلم تصديقاً بكتاب الله لا يدخلها في دائرة ما يصدر عن المسلم من أفعال تقتضي الكفر، فلا حاجة لذكرها هنا ألبتة، ولو كان دقيقاً لذكر لنا ما هو من أفراد القاعدة التي أصلها؛ كسب الله تعالى، والاستعانة بغيره، ودعاء غيره، وغير ذلك مما سيظهر أنه مراده قريباً وأقول في هذا المقام: إنه لا يخفى على الدكتور أن طوائف من المتصوفة ينسب إحياء الموتى إلى الأولياء في الكرامات التي ينقلونها عنهم، وهو قدح في الربوبية، فماذا سيقول الدكتور -يا ترى- فيمن زعم أن ولياً يحيي الموتى؟ وعلى ماذا يحمل ما صدر عنه؟! سيقول لنا: إن المعنى اللائق بانتسابه بأن المؤثر هو الله، كما سيأتي في الأصل الثالث.

قوله في ذكر مثال فعلي للأصل: ( لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يزل عنه بالشك والاحتمال، ولذلك لما سجد معاذ بن جبل رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام ـ فيما رواه ابن ماجه وصححه ابن حبان ـ نهاه النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، ولكنه لم يصف فعله هذا بالشرك أو الكفر، وبدهي أن معاذاً ـ وهو أعلم الأمة بالحلال والحرام ـ لم يكن يجهل أن السجود عبادة، وأن العبادة لا يجوز صرفها لغير الله، ولكن لما كان السجود يحتمل وجهاً آخر غير عبادة المسجود له؛ لم يجز حمله على العبادة إذا صدر من المسلم وتكفيره بحال ).

أما الأمور التي حكم الشارع بكفر فاعلها فلا تدخل في الشك والاحتمال، والتمثيل هنا بسجود معاذ رضي الله عنه خارج عن القاعدة؛ لأنه سجود تحية -كما سيأتي- وإنما المثال المناسب للقاعدة: ما كان شركاً؛ كالسجود للقبر، وسيشير إليه الدكتور على استحياء لاحقاً.

فالأصل أن السجود عبادة لا يجوز صرفها لغير الله، (والعبادة الشرعية تتضمن غاية الذل لله تعالى مع غاية المحبة له) العبودية (ص: 44).

 والذين مشوا على قواعد المتكلمين من جهمية المرجئة ـ خلافاً لمرجئة الفقهاء والأشاعرةـ زعموا أن هذا السجود ليس شركاً ما لم يتضمن الاعتقاد، وقد اتفقت جميع الشرائع على أن السجود لغير الله شرك، قال ابن القيم: ( ومن خصائص الإلهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب، مع غاية الذل، هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه، وهذا من المحال أن تأتي به شريعة من الشرائع... فمن خصائص الإلهية: السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به ) الجواب الكافي (ص: 183).

وقال أيضا في زاد المعاد بعد أن ذكر السجود للمشايخ والركوع للمتشبهين بالعلماء والقيام للجبابرة: ( وقد نهى رسول الله عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل، فتعاطيها مخالفة صريحة له، فنهى عن السجود لغير الله، وقال: لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد، وأنكر على معاذ لما سجد له، وقال: (مه!) وتحريم هذا معلوم من دينه ضرورة، وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله، وهو أبلغ أنواع العبودية، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع اليسير فقد جوز عبودية غير الله...... والمقصود أن النفوس الجاهلة الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه، وأشركت فيها من تعظمه من الخلق، فسجدت لغير الله وركعت له، وطافت لغير بيته.. وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين، وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل، وهم الذين بربهم يعدلون، قال تعالى: (( تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ))[الشعراء:97]^ * (( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ))[الشعراء:98]^ (ص: 159).

هذا هو المقصود بأن السجود لغير الله يعد شركاً لأنه صرف عبادة لغير الله، وقد خلط د/ جمعة بينه وبين سجود التحية، ومعلوم أن سجود التحية كان سائغاً في الشرائع السابقة، ثم صار محرماً في شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام، وحديث معاذ الذي استشهد به يدل على ذلك؛ فإنه لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما هذا يا معاذ؟ قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك لك، فقال: لا تفعلوا، فلو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، وقد استوفى الشيخ الألباني طرق هذا الحديث عن جماعة من الصحابة في الإرواء (7/55).

ولو ساق د/ جمعة الحديث بتمامه ولم يقتصر على بعضه لاتضح قول معاذ: أن أولئك النصارى إنما كانوا يفعلونه مع ملوكهم وعظمائهم تحية.

وعن قيس بن سعد رضي الله عنه قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي عليه الصلاة والسلام فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك، قال: (أرأيت إن مررت على قبري أكنت تسجد له؟ قال قلت: لا، قال فلا تفعلوا، لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن؛ لما جعل الله لهم عليهن من الحق)، رواه أبو داود.

وتأمل ذلك تجد أن المراد سجود التحية الذي كان يفعله من كان قبلنا، وهو إنما يكون للحي، ولا يستقيم أن يكون تحية للميت، كما أشار عليه الصلاة والسلام إليه، قال الطيبي: (أي: اسجد للحي الذي لا يموت، ولمن ملكه لا يزول، فإنك إنما تسجد لي الآن مهابة وإجلالاً، فإذا صرت رهين رمس امتنعت عنه)، عون المعبود. ومن خالف ذلك فسجد تحية لقبر النبي يكون عاصياً كما نقله د/جمعة عن الذهبي.

 وقد قال الصحابة من فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا نسجد لك؟ كما ورد في حديث أبي هريرة في قصة الجمل، ولو أذن لهم لسجدوا له سجود إجلال وتوقير، لا سجود عبادة، كما قد سجد إخوة يوسف عليهم السلام ليوسف، ونقله الدكتور عن الذهبي أيضاً.

قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ))[يوسف:100]^: (وقد كان سائغاً في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزاً من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصاً بجناب الرب سبحانه وتعالى، هذا مضمون قول قتادة وغيره.. والغرض أن هذا كان جائزاً في شريعتهم، ولهذا خروا له سجداً) (2/419).

ونقل الإجماع ابن عطية في تفسير هذه الآية على أنه سجود تحية فقال: (واختلف في هذا السجود، فقيل: كان كالمعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض، وقيل: بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه مما كان سيرة تحيتهم للملوك في ذلك الزمان، وأجمع المفسرون أن ذلك السجود ـ على هيئة كان ـ فإنما كان تحية لا عبادة، قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم ) (9/377).

 وقد خالف هذا النهي جهلة المتصوفة كما ذكره القرطبي بقوله: ( وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه جهال المتصوفة عادة في سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم واستغفارهم، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال –بزعمه- يسجد للأقدام لجهله، سواء كان للقبلة أم غيرها جهالة منه، ضل سعيهم وخاب عملهم) التفسير (1/ 294).

والتعظيم في حقه عليه الصلاة والسلام في اتباعه وطاعته، وتقديم ما يحبه على ما يحبه المسلم، وهو الذي كان عليه الصحابة رضي الله عنهم كما في حديث أنس قال: ( لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك) رواه الترمذي.

وهكذا يتضح لنا بجلاء أن ما ساقه من مثال فعلي خارج عن الأصل، وليس فيه ما يتطرق إلى تكفير فاعله، خلافاً للسجود للصنم أو نحوه كالقبر.

قوله: (والإخلال بهذا الأصل الأصيل هو مسلك الخوارج، حيث وضح ابن عمر رضي الله عنه أن هذا هو مدخل ضلالتهم فقال: انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين..).

 قد عرفنا سابقا أن الأصل المشار إليه هنا مبني على قواعد المتكلمين، وأنه أصيل في كلام جهمية المرجئة، ويؤكد هنا د/جمعة أن الإخلال به مسلك الخوارج، ولم يوفق في تقريره؛ لأن مسلك الخوارج، هو تكفير المسلمين بالذنوب؛ كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وغيرها من الذنوب المفسقة، وهي ليست مناط حديثنا الذي ينصب حول ما يصدر من قول وفعل مكفرين، أما الكبائر التي ذكرت فإن مذهب أهل السنة عدم تكفير فاعلها؛ لأنها لا تخل بأصل الإيمان إلا إذا كان فاعلها مستحلاً، قال شيخ الإسلام: (ولهذا قال علماء السنة في وصفهم اعتقاد أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب، إشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب) الفتاوى (12/ 474).

 ومن هؤلاء العلماء الإمام البخاري، حيث عقد في كتاب الإيمان من صحيحه: (باب المعاصي من أمر الجاهلية لا يكفر صاحبها إلا بالشرك) فتح الباري (1/84).

وقال في معتقده الذي نقله عنه اللالكائي: (ولم يكونوا يكفرون أحداً من أهل القبلة بالذنب؛ لقوله: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ))[النساء:48]^ شرح اعتقاد أهل السنة (1/175).

وانظر إلى فقه هذا الإمام وتحرير عبارته في إخراج أنواع الشرك من الذنوب التي لا يكفر فاعلها تجده يرد على طائفتين هما: الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب، كما يرد على غلاة المرجئة الذين لا يكفرون بأنواع الشرك من الأفعال، فلله دره من إمام وما أفقهه!

وأما مراد ابن عمر في مسلك الخوارج فقد فسره سعيد بن جبير فقال: (مما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى: (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ))[المائدة:44]^، ويقرنون معها (( ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ))[الأنعام:1]^، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر...) الشريعة للآجري (1/342).

 وأما نسبة الذين يحذرون الناس من أنواع الشرك إلى مسلك الخوارج فإنها شنشنة وجهت إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وننقل رده على بعض هؤلاء في قوله: ( وأما المسألة الثالثة -وهي من أكبر تلبيسك الذي تلبس به على العوام- أن أهل العلم قالوا: لا يجوز تكفير المسلم بالذنب، وهذا حق، ولكن ليس هذا ما نحن فيه؛ وذلك أن الخوارج يكفرون من زنى أو سرق أو سفك الدم؛ بل بكل كبيرة إذا فعلها المسلم، وأما أهل السنة فمذهبهم أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك، ونحن ما كفرنا الطواغيت وأتباعهم إلا بالشرك، وأنت رجل من أجهل الناس، تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر.... أرأيت أصحاب رسول الله لما قاتلوا من منع الزكاة، فلما أرادوا التوبة قال أبو بكر: لا نقبل توبتكم حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. أتظن أن أبا بكر وأصحابه لا يفهمون وأنت وأبوك الذين تفهمون؟! يا ويلك أيها الجاهل الجهل المركب إذا كنت تعتقد هذا) الرسائل الشخصية (ص: 233).

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في رده على ابن جرجيس بما يتناسب مع المقام: (وأما قوله: إن الشيخ أحمد ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لا يكفران أحداً من أهل القبلة، فيقال: لو عرف هذا من أهل القبلة في هذا الموضع ومن المراد بهذه العبارة لما أوردها هنا محتجاً بها على دعاء غير الله وعدم تكفير فاعله، ومن أعرض عن كلام أهل العلم ورأى أن من صلى وقال: لا إله إلا الله فهو من أهل القبلة، وإن ظهر منه الشرك والترك لدين الإسلام ما ظهر؛ فقد نادى على نفسه بالجهالة والضلالة، وكشف عن حاصله من العلم بالدين وبهذه المقالة، وقد أنكر الإمام أحمد رحمه الله قول القائل: لا نكفر أهل الذنوب، وهذا يزعم أنه على مذهب الإمام أحمد، ومقصود من قالها إنما هو البراءة من مذهب الخوارج الذين يكفرون بمجرد الذنوب، وهذا وضع كلامهم في غير موضعه، وأزال بهجته؛ لأنه تأوله في أهل الشرك ودعاء الصالحين، فالتبس عليه الأمر، ولم يعرف مراد من قال من السلف، وهذا الفهم الفاسد مردود بكتاب الله وسنة رسوله، وبإجماع أهل العلم، وقد عقد الفقهاء من أرباب المذاهب باباً مستقلاً في هذه المسألة، وذكروا حكم المرتد من أهل القبلة، وقرروا من المكفرات أشياء كثيرة دون ما نحن فيه، وجزموا بأن العصمة بالتزام الإسلام ومبانيه ودعائمه، لا بمجرد القول والصلاة مع الإصرار على المناهي، وهذا يعرفه صغار الطلبة، وهو مذكور في المختصرات من كتب الحنابلة وغيرهم، فهذا لم يعرف ما عرفه صبيان المدارس والمكاتب، فالدعوى عريضة والعجز ظاهر ) الدرر السنية (ص: 290).

قوله: ( ثانياً: هناك فارق كبير وبون شاسع بين الوسيلة والشرك، فالوسيلة مأمور بها شرعاً في قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ))[المائدة:35]^، فأثنى على من يتوسلون إليه في دعائهم فقال: (( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ))[الإسراء:57]^.

الوسيلة هي التقرب إلى الله بالطاعة والعمل الذي يحبه الله ويرضاه، فلا مدخل للتوسل بالأشخاص في هذا الحد قطعاً، قال ابن جرير في تفسير الآية الأولى التي ذكرها: (( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ))[المائدة:35]^ (يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه، والوسيلة الفعيلة، من قول القائل: توسلت إلى فلان بكذا، بمعنى: تقربت إليه..) ثم روى بإسناده إلى أبي وائل في معنى (وابتغوا إليه الوسيلة) قال: (القربة في الأعمال، وذكر نحوه عن عطاء والسدي ومجاهد والحسن، وقال قتادة: (أي: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقال ابن زيد: المحبة تحببوا إليه) (10/289).

قوله: (والوسيلة في اللغة: المنزلة والوصلة والقربة، فجماع معناها هو: التقرب إلى الله تعالى بكل ما شرعه سبحانه، ويدخل في ذلك تعظيم كل ما عظمه الله تعالى من الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال، فيسعى المسلم مثلاً للصلاة في المسجد الحرام، والدعاء عند قبر المصطفى والملتزم؛ تعظيماً لما عظمه الله سبحانه وتعالى من الأماكن، ويتحرى قيام ليلة القدر، والدعاء في ساعة الإجابة يوم الجمعة، وفي ثلث الليل الأخير؛ تعظيماً لما عظمه الله من الأزمنة، ويتقرب إلى الله تعالى بحب الأنبياء والصالحين تعظيماً لما عظمه الله من الأشخاص، ويتحرى الدعاء حال السفر، وعند نزول الغيث وغير ذلك تعظيماً لما عظمه الله من الأحوال).

 معنى الوسيلة إذاً: التقرب بالعمل الذي يرضيه سبحانه، وهو تفسير واضح؛ لكن د/ جمعة أفرد تعظيم ما عظمه الله بالذكر لكي يصل إلى ما يتلخص عنده من معنى الوسيلة وهي: تعظيم بالله؛ ليتوصل إلى ما سيدخله في هذا الحد من السجود للقبر والطواف به؛ لأنه تعظيم للمقبور.

والوسيلة في كل ما تم التمثيل به في هذه الجملة إنما هو بالعمل الصالح؛ كالصلاة في المسجد الحرام، وقيام ليلة القدر، والدعاء في ساعة الجمعة، وكذا حال السفر، وعند نزول الغيث، وحب الأنبياء والصالحين، وأما الدعاء عند قبر المصطفى فيرده ما ورد عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، فقال: ألا أحدثك حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتخذوا قبري عيداً..) أخرجه أبو يعلى. قال الإمام مالك في المبسوط: (لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ولكن يسلم ويمضي، ولهذا والله أعلم حرفت الحجرة وثلثت لما بنيت، فلم يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة، ولا جعل جدارها مربعاً). اقتضاء الصراط المستقيم (ص: 365).

وينبغي الإشارة هنا إلى أن إدخاله التعظيم يجب أن يكون مقيداً بما عظمه الله؛ لأن بعض العوام يخلط في هذا المقام، ويعظم ما لم يرد فيه نص، وهو من قديم، كما قال ابن عمر رضي الله عنه: (رجعنا العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها كانت رحمة من الله) رواه البخاري، وقال ابن حجر: ( وسيأتي في المغازي موافقة المسيب بن حزن لابن عمر على خفاء الشجرة، وبيان الحكمة في ذلك، وهو ألا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن من تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر، كما نراه اليوم مشاهداً فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: (كانت رحمة من الله) أي: كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى). فتح الباري (6/117).

وموافقة المسيب المشار إليها عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم!! قال ابن حجر: ( قد قدمت الحكمة في إخفائها.. ثم وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر بلغه أن قوماً يأتون الشجرة فيصلون عندها فتوعدهم، ثم أمر بقطعها فقطعت) فتح الباري (7/447).

قوله: (أما الشرك فهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله، حتى لو كان ذلك بغرض التقرب إلى الله، كما قال تعالى: (( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ))[الزمر:3]^، وإنما قلنا: على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله تعالى؛ لإخراج كل ما خالف العبادة في مسماها وإن وافقها في ظاهر اسمها..).

هذا التعريف للشرك سيعبر عنه بتعريف آخر هو: التعظيم مع الله أو من دون الله، وأما قوله: على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله؛ فإن هذا قيد لا طائل من ذكره إذا كان حد العبادة جامع مانع، فما وافقها في الاسم دون المسمى لا يشمله التعريف، ولا فائدة من الاستكثار من ذكر الشواهد كما فعله الدكتور، ويبعد أن يكون مراده حمل أفعال المسلم في مسمى العبادة كدعاء غير الله على ظاهر الاسم في الدعاء.

قوله: (وبذلك يتبين لنا فصل ما بين الوسيلة والشرك؛ فالوسيلة نعظم ما عظمه الله، أي: تعظيم بالله، والتعظيم بالله تعظيم لله، كما قال عز وجل: (( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ))[الحج:32]^، وأما الشرك فهو تعظيم مع الله، أو تعظيم من دون الله، ولذلك كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام إيماناً وتوحيداً، وكان سجود المشركين للأوثان كفراً وشركاً، مع كون المسجود له في الحالتين مخلوقاً، ولكن لما كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام تعظيماً لما عظمه الله كما أمر الله؛ كان وسيلة مشروعة يستحق فاعلها الثواب، ولما كان سجود المشركين للأصنام تعظيماً كتعظيم الله؛ كان شركاً مذموماً يستحق فاعله العقاب).

أما سجود الملائكة لآدم عليه السلام فإنه أمر من الله لهم، وإكراماً لآدم، قال ابن جرير في تفسيره: ( كان سجود الملائكة لآدم تكرمة لآدم وطاعة لله، لا عبادة لآدم، ثم روى بإسناده عن قتادة أنه قال: فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته) (1/512)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما السجود فشريعة من الشرائع، إذ أمرنا الله أن نسجد له، ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة لله عز وجل، فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة له وقربة يتقربون بها إليه، وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم، وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام ) الفتاوى (4/460).

وقال محمد رشيد رضا عند تفسير قوله تعالى: (( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ))[البقرة:34]^: (وهو سجود لا نعرف صفته، ولكن أصول الدين تعلمنا أنه ليس سجود عبادة؛ إذ لا يعبد إلا الله تعالى، والسجود في اللغة التطامن والخضوع والانقياد، وأعظم مظاهره الخرور نحو الأرض للأذقان، ووضع الجبهة على التراب، وكان عند القدماء من تحية الناس للملوك والعظماء، ومنه سجود يعقوب وأولاده ليوسف عليهم السلام) المنار (1/265).

فالسجود لآدم تكريم وتعظيم كما سبق، وهو مأمور به، وهو تعظيم مخصوص، فماذا يريد د/ جمعة من إيراده هذا المثال؟ هل ليقاس عليه تعظيم غيره فيدخل فيه تعظيم ما عظمه الله كتعظيم الأشخاص؟ فيقال: هل هو تعظيم مخصوص أم مطلق؟ أما تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه معلوم وواجب، وهو مما لا يجهله أحد، وتعظيمه عليه الصلاة والسم يكون باتباع شرعه، وتصديقه فيما أخبر، وفعل ما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، فهو تعظيم مخصوص؛ ولذلك نهانا أن نتجاوز المنزلة التي أنزله الله فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح)، وأما التعظيم مطلقاً فلم يقل به أحد؛ فإنه يدخل فيه كل تعظيم، فهل توجب السجود له ودعاءه من دون الله والتوكل عليه وغير ذلك مما حذر منه عليه الصلاة والسلام؟!

 فعلم مما سبق معنى سجود الملائكة لآدم، وأما سجود المشركين للأصنام فإنه تعظيم مع الله أو من دونه، ولا إشكال فيه، بقي معنا السجود للقبر الذي هو مناط المسألة، فمقتضى كلام الشيخ أنه وسيلة إلى تعظيم الصالحين؛ فيكون ذلك جائزاً، وهذا الكلام مبني على أمرين: (أحدهما: أن كل تعظيم لما عظمه الله فهو وسيلة، والثاني: أن السجود تعظيم لقبور الصالحين، فيكون السجود للقبر وسيلة، والنتيجة باطلة؛ لأن المقدمة الثانية باطلة).

 قال شيخ الإسلام في إشارة إلى بعض الأمكنة الوثنية من قبور ومشاهد: ( فهذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة كائنة ما كانت ليس من الإسلام تعظيمها بأي نوع من أنواع التعظيم؛ فإن تعظيم مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه، فإن تعظيم الأجسام عندها بالعبادة أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان......وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد الضرار الذي (( أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ))[التوبة:109]^؛ فإن ذلك المسجد لما بني (( ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))[التوبة:107]^ نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه، وأمر بهدمه، وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله، وتعظيماً لما لم يعظمه الله، وعكوفاً على أشياء لا تنفع ولا تضر، وصداً عن سبيل الله، وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه الله على لسان رسوله واتخاذها عيداً..) اقتضاء الصراط (ص: 317).

قوله: ( وعلى هذا الأصل في الفرق بين الوسيلة والشرك بنى جماعة من أهل العلم قولهم بجواز الحلف بما هو معظم في الشرع؛ كالنبي صلى الله عليه وسلم، والإسلام، والكعبة، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى في أحد قوليه، حيث أجاز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ معللاً ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم أحد ركني الشهادة التي لا تتم إلا به، وذلك أنه لا وجه فيه للمضاهاة بالله تعالى؛ بل تعظيمه بتعظيم الله له، وحمل هؤلاء أحاديث النهي عن الحلف بغير الله على ما كان متضمناً للمضاهاة بالله..)، وساق عن ابن المنذر مأخذ من قال بهذا القول.

لقد ورد الزجر والتغليظ في النهي بالحلف بغير الله بلفظ الشرك والكفر، كما ورد عن عمر رضي الله عنه قال: حدثت قوماً حديثاً فقلت: لا وأبي، فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم، فالتفت فإذا رسول الله يقول: (لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم)، قال الحافظ: وهذا مرسل قوي يتقوى بشواهده، وقد أخرج الترمذي وجهاً آخر عن ابن عمر أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله، إني سمعت رسول الله يقول: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) قال الترمذي: حسن، وصححه الحاكم.

وقيد الحافظ ابن حجر الحلف بغير الله الذي حكى د/جمعة فيه الخلاف بعبارة دقيقة أوضح من تعبير المضاهاة بالله فقال: (وأما إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به بما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلك، ولا تنعقد يمينه)، فقوله: (بما يليق به من التعظيم) دل على خروج ما لم يكن كذلك، قال ابن حج: (واستثنى بعض الحنابلة من ذلك الحلف بنبينا محمد فقال: تنعقد به اليمين، وتجب الكفارة بالحنث، فاعتل بكونه أحد ركني الشهادة التي لا تتم إلا به).

وأوضحه شيخ الإسلام فقال: ( فإذا كان النبي قد نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء لله وحده خالصاً عند القبور لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم، فكيف إذا وجد ما هو عين الشرك من الرغبة إليهم؛ سواء طلب منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله؛ بل لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهي عن ذلك ولو لم يكن عند قبره، كما لا يقسم بمخلوق مطلقاً، وهذا منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة، وهل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ على قولين، أصحهما أنه نهي تحريم، ولم يتنازع العلماء إلا فيمن حلف بالنبي خاصة، فإن فيه قولين في مذهب أحمد وبعض أصحابه.. ولكن القول الذي عليه جمهور الأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم: أنه لا ينعقد اليمين بمخلوق ألبتة، ولا يقسم بمخلوق ألبتة، وهذا هو الصواب) اقتضاء الصراط (ص: 407).

وأما قول ابن المنذر الذي ساقه فقد تعقبه ابن عبد البر بأن ذكر الأشياء وإن كانت بصورة الحلف فليست يميناً في الحقيقة، وإنما خرج على الاتساع، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله، وكذا المهلب بقوله: (والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالله). فتح الباري (11/535).

فالحلف على جهة التعظيم للمقبور ـ بما لا يليق به كما قيده ابن حجرـ هو شرك، وقد وجد من يبادر بالحلف بالله، فإذا طلب منه الحلف بالولي امتنع خوفاً من الحنث، وهو الشرك الذي أطلق المقريزي في تجريد التوحيد فقال: ( ومن الشرك بالله المباين لقوله تعالى: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ))[الفاتحة:5]^: الشرك به في الحلف بغيره، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عنه صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، صححه الحاكم وابن حبان، وروى ابن حبان عن سعد بن عبيدة قال: كنت عند ابن عمر فحلف رجل بالكعبة، فقال ابن عمر رضي الله عنه: ويحك! لا تفعل؛ فإني سمعت رسول الله يقول: (من حلف بغير الله فقد أشرك). (ص: 22).

ومثل الحلف بغير الله الإقسام على الله بالمخلوق، قال إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن في هذه المسألة: (وإذا تقرر هذا فقد عرفت -سلمك الله- كلام الناس في مسألة سؤال الله بالمخلوق والإقسام على الله به، وقد ذاكرتك فيها بأن الذي نعتقده أنا لا نكفر بها أحداً؛ بل نقول: هي بدعة شنيعة نهى عنها السلف). الدرر السنية (2/113).

قوله: (فإذا ما حصل خلاف بعد ذلك في بعض أنواع الوسيلة؛ كالتوسل بالصالحين، والدعاء عند قبورهم مثلاً، أو حصل خطأ فيها من بعض المسلمين فيما لم يشرع كونه وسيلة كالسجود للقبر، أو الطواف به؛ فإنا لا يجوز أن ننقل هذا الخطأ أو ذلك الخلاف من دائرة الوسيلة إلى دائرة الشرك والكفر؛ لأننا نكون بذلك قد خلطنا بين الأمور، وجعلنا التعظيم بالله كالتعظيم مع الله).

 بهذا التقرير الأخير ينقض ما كان قد نسجه من تعريف الوسيلة والشرك، وما كان ذاك إلا توطئة للوصول إلى هذا الهدف.

أما التوسل بالصالحين ـ أمواتاً كما هو مراده هنا ـ فيحتمل أمرين:

الأول: اتخاذهم وسائط يدعوهم ويرجوهم ويستغيث بهم من دون الله ليقربوه إلى الله زلفى هو الشرك بعينه، والثاني: سؤال الله تعالى بجاههم ومنزلتهم عنده يعد بدعة.

قال الشنقيطي: (التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها: التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة على وفق ما جاء به الرسول، وتفسير ابن عباس داخل في هذا؛ لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته، وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه، أنه تخبط في الجهل والعمى، وضلال مبين، وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: (( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ))[الزمر:3]^، وقوله: (( وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ))[يونس:18]^، فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضا الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل). أضواء البيان (2/98).

وقال الألوسي: ( إن لفظ التوسل صار مشتركاً على ما يقرب إلى الله من الأعمال التي يحبها الرب ويرضاها، ويطلق على التوسل بذوات الصالحين ودعائهم واستغفارهم، ويطلق في عرف عباد القبور على التوجه إلى الصالحين ودعائهم مع الله في الحاجات والملمات). فتح المنان (ص: 40).

الفرق بين التوسل واتخاذ الوسائط:

نقل شيخ الإسلام الإجماع على أن الثاني يعد شركاً فقال: (فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسأل غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات؛ فهو كافر بإجماع المسلمين) (1/124).

وقال المقدسي في الفروع: (إن مما يكون كفراً أن يجعل بينه وبين الله تعالى وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم، قالوا: إجماعاً) (6/165)، وقد نقل هذا ابن حجر عنه في كتاب الإعلام وأقره بهامش الزواجر (153).

قال رشيد رضا في التفسير: (ومن جعل بينه وبين الله واسطة في العبادة كالدعاء فقد عبد هذه الواسطة من دون الله؛ لأن هذه الواسطة تنافي الإخلاص له وحده، ومتى انتفى الإخلاص انتفت العبادة، ولذلك قال تعالى: (( فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ))[الزمر:2]^ * (( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ))[الزمر:3]^، فلم يمنعهم توسطهم بالأولياء إليه تعالى أنهم اتخذوهم من دونه) (3/347).

وأما الدعاء عند قبورهم فلم يثبت عن السلف فعله، قال شيخ الإسلام: (الوجه الثالث في كراهة قصد القبور للدعاء: أن السلف رضي الله عنهم كرهوا ذلك، متأولين في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتخذوا قبري عيداً)، كما ذكرنا ذلك عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن ابن عمه، وهما أفضل أهل البيت من التابعين... وما أحفظ لا عن صحابي ولا عن تابعي ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده، ولا روى أحد في ذلك شيئاً؛ لا عن النبي ولا عن أحد من الأئمة المعروفين، وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته، وذكروا في ذلك الآثار، فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفاً واحداً فيما أعلم ). اقتضاء الصراط (ص: 368).

وأما قوله: (السجود للقبر والطواف به من تعظيم الصالحين وعليه فهو وسيلة، فهو بيت القصيد من كل هذا التقرير، فلا بد من بيان أن هذا هو من تعظيم المقبور، وهو الشرك بعينه، قال ابن حجر: (وما تعظيم الصالحين إلا منشأ عبادتهم كما كان ذلك في قوم نوح.. قال: وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك). فتح الباري (8/669).

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً). رواه الشيخان.

 وقال الإمام النووي: (قال العلماء: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية). شرح مسلم (5/13).

 وقال ابن القيم: (ولعمر الله من هذا الباب بعينه دخل عباد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل البلاء على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة، فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقهم، وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها من العبودية، وسلب خصائص الإلهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم، وأما المشركون فعصوا أمرهم، وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم)، وقال أيضاً: ( وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول مقاصده؛ جزم جزماً لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن بصيغتيه ليس لأجل النجاسة؛ بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن هذا وأمثاله من النبي صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريداً له وغضب لربه أن يعدل به سواه، فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكاباً لنهيه، وغرهم الشيطان فقال: هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشد تعظيماً لهم وأشد فيهم غلواً كنتم بقربهم أسعد ومن أعدائهم أبعد). إغاثة اللهفان.

قوله: (ثالثاً: أن هناك فارقاً أيضاً بين كون الشيء سبباً، واعتقاده خالقاً ومؤثراً بنفسه تماماً، كما مثلنا في الأصل الأول من اعتقاد المسلم أن المسيح عليه السلام سبباً في الخلق بإذن الله، في مقابلة اعتقاد النصراني أنه يفعل ذلك بنفسه، فإذا رأينا مسلماً يطلب أو يسأل أو يستعين أو يرجو نفعاً أو ضراً من غير الله فإنه يجب علينا قطعاً أن نحمل ما يصدر منه على ابتغاء السببية، لا على التأثير والخلق؛ لما نعلم من اعتقاد كل مسلم أن النفع والضر الذاتيين إنما هما بيد الله وحده، وأن هناك من المخلوقات ما ينفع ويضر بإذن الله، ويبقى الكلام بعد ذلك في صحة كون هذا المخلوق أو ذاك سبباً من عدمه).

وعلى هذه الجملة ثلاث ملاحظات:

الأولى: أن هناك فارقاً أيضاً بين الإقرار بأن الله هو الخالق والفاعل وحده الذي أقر به المشركون، وبين توحيد الألوهية وهو التوحيد الخالص الذي هو الفرقان بين الموحدين والمشركين، فالشرك الذي يضاد التوحيد الخالص ليس محصوراً في شرك الربوبية، كمن يعتقد أن الخلق لغير الله، أو أن المؤثر هو الله وحده، وقد ذكرت الآيات أن المشركين لا يعتقدون ذلك في أصنامهم، قال تعالى: (( قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ))[المؤمنون:84]^ * (( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ))[المؤمنون:85]^ * (( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ))[المؤمنون:86]^ * (( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ))[المؤمنون:85]^ * (( قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ))[المؤمنون:88]^ * (( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ))[المؤمنون:89]^، فهؤلاء كانوا مقرين بأنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، وأن معبوداتهم لا تخلق.

الثانية: كون الوسائط عنده مجرد أسباب والفاعل في الحقيقة هو الله لا يبرر الاستغاثة بالأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله، وكذا الأموات من أصحاب القبور، ولا يغير من حقيقة الشرك شيئاً؛ سواء عبر بالأسباب أو الوسائط أو الوسائل.

قال الألوسي: (وما أورد على الجواب من أن للمستغاث بهم قدرة كسبية أو تسببية، فتنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى، سواء كانوا أحياءً أم أمواتاً، وسواء كانت الاستغاثة بما يقدر عليه المستغاث به أم لا، بأن كون العبد له قدرة كسبية لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية، لا يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يستغاث به ولا يتوكل عليه ولا يلتجأ في ذلك إليه، فلا يقال لأحد حي أو ميت قريب أو بعيد: ارزقني، أو أمتني، أو أحي ميتي، أو اشف مريضي.. إلى غير ذلك مما هو من الأفعال الخاصة بالواحد الفرد الصمد، بل يقال لمن له قدرة سبية قد جرت العادة بحصولها ممن أهله الله لها: أعني في حمل متاعي، أو غير ذلك، والقرآن ناطق بحظر دعاء كل أحد لا من الأحياء ولا من الأموات؛ سواء كانوا أنبياء أو صالحين أو غيرهم، وسواء كان الدعاء بلفظ الاستغاثة أو بغيرها، فإن الأمور غير المقدورة للعباد لا تطلب إلا من خالق القدر، ومنشئ البشر، والدعاء عبادة وهي مختصة به سبحانه). فتح المنان (ص: 347).

 وتأمل تمثيل د/جمعة بما ورد في الأصل الأول من اعتقاد المسلم أن المسيح عليه السلام سبب في الخلق بإذن الله في مقابلة اعتقاد النصراني أنه يفعل ذلك بنفسه، تجد لازماً عجيباً التزم به في حين يحيد عنه الأكثرون؛ لأنه من دائرة الربوبية التي يقرون بها، ونزيد ذلك توضيحاً بقولنا: إن من يجوز دعاء غير الله ويستغيث بالأموات لأنهم أسباب فقط، يحتج عليه أيضاً بأفعال الربوبية، فيقال له: ويلزمك أن تقول أيضاً فيمن قال للميت أو الحي: أحي ميتي أنه جائز؛ لأنهم أسباب، والمؤثر هو الله، والعجيب أن د/جمعة قد بادر بالالتزام به متطوعاً في تمثيله السابق، ولكن بما هو ثابت في النصوص، ونحن نسأله عن مسلك جهلة الصوفية في نسبة ذلك للأولياء ليتضح التمثيل تماماً، ومثله التصرف في الكون، وغير ذلك من الأمور التي هي من خصائص الربوبية.

الثالثة: التصريح بالشهادة في أنه يعلم من اعتقاد كل مسلم أن النفع والضر الذاتيين إنما هو بيد الله وحده، وأن هناك من المخلوقات ما ينفع ويضر بإذن الله؛ فيه مجازفة ومبالغة ومخالفة لتصرفات كثير من القبوريين الذين يعتقدون ذلك فيمن يدعونه، كما ذكر ذلك الشوكاني فقال: (وإذا علمت هذا فالرزية كل الرزية، والبلية كل البلية أمر غير ما ذكرنا من التوسل المجرد والتشفع بمن له الشفاعة، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور، وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء من أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله جل جلاله، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله عز وجل، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم، فصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالاً، ويصرخون بأسمائهم، ويعظمونهم تعظيم من يملك النفع والضر، ويخضعون لهم خضوعاً زائداً على وقوفهم بين يدي ربهم في الصلاة، والدعاء هذا إن لم يكن شركاً فلا ندري ما هو الشرك! وإذا لم يكن كفراً فليس في الدنيا كفر!). الدر النضيد (ص: 7).

وذكر ذلك أيضاً الصنعاني بقوله: (فإن قلتَ: القبوريون وغيرهم يقولون: نحن لا نعبد هؤلاء، ولا نعبد إلا الله وحده، ولا نصلي لهم ولا نصوم ولا نحج، قلتُ: هذا جهل بمعنى العبادة، فإنها ليست منحصرة فيما ذكرت؛ بل رأسها وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك بما يسمونه معتقداً، ويصنعون له ما سمعته مما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة والاستعانة والحلف والنذر وغير ذلك، وقد ذكر العلماء أن من تزيا بزي الكفار صار كافراً، ومن تكلم بكلمة الكفر صار كافراً، فكيف بمن بلغ الرتبة اعتقاداً، وقولاً، وفعلاً). تطهير الاعتقاد (ص: 46).

 فلا يسلم له بلفظ العموم وإطلاق الكلام على عواهنه؛ فإن جهلة المتصوفة يخالفونه في ذلك، ويعتقدون أن للأولياء تصرفاً في الكون، وأنهم يفعلون ما يريدون، ويحيون ويميتون وكذا، ولو قرأ طبقات الشعراني لاتضح له هذا الكلام؛ حيث أورد في طبقات الأولياء وتراجمهم أن منهم من صرفه الله في الكون (ص: 506)، ومنهم من له التصرف في العالم (ص: 257)، ومنهم إذا مات انقطع تصرفه في الكون من الإمداد (ص: 525)، ومنهم أربعة يتصرفون في قبورهم (ص: 259 ـ 533)، ومنهم من يتحمل البلاء بأكلة (ص: 360)، ومنهم رحى الوجود بيده (ص: 508)، ومنهم أمان مصر (ص: 499)،... إلى غير ذلك من مخاريق الصوفية التي تطفح بها كتبهم.

قوله: (وإذا تقررت هذه الأصول الثلاثة فإنه يجب علينا استحضارها في الكلام على حكم الطواف بالقبور، فإذا علمنا أننا نتكلم في أفعال تصدر من مسلمين، وأن المسلمين يزورون هذه الأضرحة والقبور اعتقاداً منهم بصلاح أهلها، وقربهم إلى الله، وأن زيارة القبور عمل صالح يتقرب ويتوسل به إلى الله تعالى، وأن الكلام إنما هو في جواز بعض ما يصدر عن هؤلاء المسلمين من عدمه، وأن في بعض أقوالهم خلافاً بين العلماء، وفي بعضها خطأ محض لا خلاف فيه، إذا علمنا هذا كله فإنه يتبين لنا بجلاء أنه لا مدخل للشرك ولا للكفر في الحكم على أفعال هؤلاء المسلمين في قليل ولا كثير، أو من قبيل أو دبير؛ بل ما ثم إلا الخلاف في بعض الوسائل، والخطأ المحض في بعضها الآخر من غير أن يكون شيء من ذلك تكفيراً لمن ثبت إسلامه بيقين).

إذا تقررت هذه الثلاثة الأصول فلينعم القبوريون بأنه ليس هناك شرك، وليقروا عيناً في استغاثتهم بغير الله، والسجود للقبر، والطواف به، وكل أصل منها كاف لتبرير هذه الأفعال والأقوال التي يكفر صاحبها، وأما بمجموعها فهي مصادمة للنصوص، وميل عن القسط الذي أمر الله الناس أن يقوموا به، والذي من أجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل، قال تعالى: (( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ))[الحديد:25]^.

وما أشار إليه من زيارة الأضرحة لا تخلو من أحد هذه الأمور، فمن يزورها لتذكره الآخرة والدعاء لهم فهي الزيارة الشرعية، ومن يزورهم ويسأل الله بجاههم فهي الزيارة البدعية، ومن يزورهم ويدعو بهم ويتخذهم وسائط اعتقاداً بصلاح أهلها وقربهم إلى الله فهو شرك في الإلهية، ومن يزورهم ويدعوهم أنفسهم لاعتقاد أن لهم تصرفاً فهؤلاء هم المشركون في الربوبية.

وأما د/جمعة فعنده أن أفعال وأقوال الزائرين للأضرحة اعتقاداً بصلاح أهلها وقربهم إلى الله ثلاثة أقسام ليس فيها شرك، وهي: ما هو جائز، والثاني: الذي فيه خلاف، والثالث: ما هو خطأ محض، ومن كلامه السابق فإن الدعاء لغير الله والاستعانة والسجود للقبر والطواف به لا يخرج عن أحد هذه الأقسام الثلاثة، وبهذا فقد أوصد باب الشرك والحكم بالكفر بحجة أن هؤلاء مسلمون.

وحجة كون من يقارف الشرك ولا نحكم بأن فعله أو قوله شرك لكون إسلامه ثبت بيقين عارية عن الصحة، وتحكم بلا دليل؛ لأن الأسماء لا تغير من الحقائق شيئاً، فعياذاً بالله من أن ينسلخ القلب من التوحيد والإسلام وهو يظن أنه مسلم موحد!

قال الصنعاني: (والنذر بالمال على الميت ونحوه، والنحر على قبره، والتوسل به، وطلب الحاجات منه؛ هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لما يسمونه ولياً وقبراً ومشهداً، والأسماء لا أثر لها في تغيير المعاني.... وكذلك تسمية القبر مشهداً ومن يعتقدون فيه ولياً لا يخرجه عن اسم الصنم والوثن؛ إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بهم طواف الحجاج لبيت الله الحرام، ويستلمونهم استلامهم لأركان البيت، ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية من قولهم: على الله وعليك، ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد ونحوها..). تطهير الاعتقاد (ص: 39).

وقال محمد رشيد رضا في تعليقه على صيانة الإنسان: (ومن عجائب جهل دحلان وأمثاله: أنهم يظنون أن ما بينه القرآن من بطلان شرك المشركين خاص بهم لذواتهم، وليس بحجة على من يفعل مثل فعلهم، كأن من ولد مسلماً يباح له الشرك لجنسيته الإسلامية وإن أشرك بالله في كل ما عده كتاب الله شركاً، وعلى هذا لا يتصور وقوع الردة في الإسلام؛ لأن من سمي مسلماً يجب أن يسمى كفره إسلاماً، أو يعد مباحاً أو حراماً على الأقل، وقد يعدونه مشروعاً بالتأويل) (ص: 487).

قوله: (وباستعراض أقوال أهل العلم في حكم الطواف بالقبور نراها دائرة بين الحرمة والكراهة، أي: منهم من يرى في الطواف وسيلة محرمة يأثم فاعلها، ومنهم من يرى أنه يستحب للمسلم تركه ولكنه إن فعله فلا عقاب عليه، والقول بالكراهة هو المعتمد عند السادة الحنابلة، كما في كشف القناع لخاتمة محققيهم العلامة البهوتي، والقول بالتحريم هو مذهب جمهور العلماء، وهو الذي عليه الفتوى).

إن استعراض أقوال العلماء في الطواف بالقبور إنما منهي عنه لما مناطه التعظيم الذي يجعله مشابهاً للكعبة كما سبق، وأما إذا كان التعظيم للقبر أو صاحبه فذاك كفر، فالتشبه هنا مكروه، وأشبه أن يكون كراهة تحريم منه بكراهة التنزيه.

 ومن ذلك ما ورد عن شيخ الإسلام: (والرجل الذي طلب من والده الحج فأمره أن يطوف بنفس الأب فقال: طف ببيت ما فارقه الله طرفة عين قط؛ فهذا كفر بإجماع المسلمين، فإن الطواف بالبيت العتيق مما أمر الله به ورسوله، وأما الطواف بالأنبياء والصالحين فحرام بإجماع المسلمين، ومن اعتقد ذلك ديناً فهو كافر؛ سواء طاف ببدنه أو قبره). الفتاوى (2/308).

وقال: (ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة... فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل، مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكاناً يطاف به كما يطاف بالكعبة؟! والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال) (27 /10).

 وأما الطواف الذي هو من جنس العبادة -ويذكره د/جمعة في سياق السجود للقبر، والدعاء والاستغاثة بصاحبه- فصرفه لغير الله شرك، قال تعالى: (( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ))[الحج:29]^، ولذلك لم يفصل العلماء فيه وإنما أطلقوا الحكم فيه، قال ابن القيم: (يتخذ قبره وثناً يعكف عليه ويوقد عليه القناديل، ويعلق عليه الستور، ويبنى عليه المسجد، ويعبده بالسجود له والطواف به وتقبيله واستلامه، والحج إليه والذبح عنده، ثم ينقله درجة أخرى –أي: الشيطان- إلى دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيداً ومنسكاً، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم) إغاثة اللهفان (1/217).

 وكونه فعلاً لا يخرجه عن الحكم المترتب عليه؛ لما سبق تحريره في مناقشة الأصل الأول، قال المقريزي: ( تضمنت هذه الآية (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ))[الفاتحة:5]^ تجريد التوحيد لرب العالمين في العبادة، وأنه لا يجوز إشراك غيره معه؛ لا في الأفعال ولا في الأقوال ولا في الواردات، فالشرك به في الأفعال كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته المحرم، وحلق الرأس عبودية وخضوعاً، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض، أو تقبيل القبور واستلامها والسجود لها). تجريد التوحيد (ص: 19).

وقال الصنعاني: (فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له، والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستعانة بالله وحده، واللجأ إلى الله، والنذر والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذللاً لله تعالى، والركوع والسجود والطواف والتجرد عن الثياب والحلق والتقصير كله لا يكون إلا لله عز وجل). تطهير الاعتقاد (ص: 28).

قال الشوكاني: (وكذلك النحر للأموات عبادة لهم، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم، والتعظيم عبادة لهم، كما أن النحر للنسك وإخراج صدقة المال، والخضوع والاستكانة عبادة لله عز وجل بلا خلاف، ومن زعم أن ثم فرقاً بين الأمرين فليهده لنا، ومن قال أنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم والنذر لهم عبادتهم فقل له: فلأي مقتضى صنعت هذا الصنع ؟ فإن دعاءك للميت عند نزول أمر بك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عرض الحاجات من دون اعتقاد منك لهم فأنت مصاب بعقلك..). الدر النضيد (ص: 20).

كما أن إطلاق بعضهم التحريم ينبغي ألا يفرح به في البراءة من الحكم بالشرك، كما هو صنيع من يقتطع عبارات التحريم من الفقهاء ليستدل بها على هواه ويضل بها الناس، وقد اشتد نكير الشيخ محمد بن عبد الوهاب على من زعم أن النذر لغير الله إنما هو من المحرمات التي هي دون الشرك، فقال في بيان هذا التلبيس في جوابه على ابن سحيم حين زعم أن النذر لغير الله ليس بشرك: (فدليلك قولهم: النذر لغير الله حرام بالإجماع، فاستدللت بقولهم: (حرام) على أنه ليس بشرك، فإن كان هذا قدر عقلك فكيف تدعي المعرفة ؟ يا ويلك! ما تصنع بقول الله تعالى: (( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ))[الأنعام:151]^، فهذا يدل على أن الشرك حرام ليس بكفر يا هذا الجاهل لمركب! ما تصنع بقول الله تعالى: (( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ))[الأعراف:33]^ إلى قوله تعالى: (( وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ))[الأعراف:33]^، هل يدل هذا التحريم على أنه لا يكفر صاحبه ؟ يا ويلك! في أي كتاب وجدته إذا قيل لك هذا حرام أنه ليس بكفر؟! فقولك: أن ظاهر كلامهم ليس بكفر، كذب وافتراء على أهل العلم؛ بل يقال: ذكر ذلك أنه حرام، وأما كونه كفراً فيحتاج إلى دليل آخر، والدليل عليه أنه مصرح في الإقناع أن النذر عبادة، ومعلوم أن لا إله إلا الله معناها: لا يعبد إلا الله، فإذا كان النذر عبادة وجعلتها لغيره كيف لا يكون شركاً!) مجموعة مؤلفات محمد بن عبد الوهاب (5/229).

ومن ذلك قول ابن حجر الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر: (الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثاناً، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها... نعم قال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركاً به عين المحادة لله ورسوله، وابتداع دين لم يأذن به الله، للنهي عنها ثم إجماعاً، فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، أو بناؤه عليها، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك؛ إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي لعن فاعله، ويجب المبادرة لهدمها، وهدم القباب التي على القبور؛ إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أسست على معصية رسول الله؛ لأنه نهى عن ذلك، وأمر رسول الله بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره) (1/120).

قوله: (أما إقحام الشرك والكفر في هذه المسألة فلا وجه له، اللهم إلا على افتراض أن الطائف يعبد من في القبر، أو يعتقد أنه يجلب الضر والنفع بذاته، أو يعتقد بأن الطواف عبادة شرعها الله كما شرع الطواف بالبيت، وكلها احتمالات ينأى أهل العلم عن حمل فعل المسلم عليها كما سبق؛ لأن فرض المسألة في المسلم الذي يطوف بالقبر لا في غير ذلك؛ ولا يجوز للمسلمين أن يشغلوا أنفسهم بمثل هذه المسائل ويجعلوها قضايا يحمل بعضهم فيها سيف الكلام على صاحبه، فيكون جهاداً في غير وغى، ويكون ذلك سبباً في تفريق الصفوف وبعثرة الجهود).

العبادة قد سبق أنواعها، وأن من دعا غير الله واستغاث به وذبح ونذر فقد عبده من دون الله، وأما اعتقاد أن المقبور يجلب الضر والنفع بذاته فإن هذا لم يكن يعتقده بعض المشركين الأوائل، وربما وجد طوائف يعتقدون ذلك كما سبق، وأما بيان التوحيد وما يضاده من الشرك والتحذير منه فهو أعظم الجهاد الذي قام به عليه الصلاة والسلام، والمعركة بالبيان مع من يروج لأسبابه ويصد الناس جهاد في وغى، وكيف يفسح المجال لمن يمزق الصفوف بالدعوة إلى القبور، ويطالب أتباع التوحيد بالسكوت، وإذا ما قاموا لله وصموا بالتفريق؟! فالاشتغال بذلك من الواجبات.

وأما كون الحديث عن هذه الأمور سبباً لتفريق الصفوف وبعثرة الجهود، فيحضرني نقل عجيب يشبه ذلك عن أحد علماء الأزهر حين كتب مقالاً يقول فيه لمنكر وجود السيدة زينب في هذا القبر ووجود رأس الحسين في القبر المنسوب إليه: (إنك جئت تفجأ المسلمين في اعتقاداتهم المقدسة النبوية، فإنك تريد أن تطير البقية من دينهم). مجلة المنار (3/222).

وبقي أن نذكر بعض المشاهد للطائفين بالقبور:

ـ قال رشيد رضا يصور جماعة من هؤلاء القبوريين: (تطوف حول قبر السيد البدوي الذي تحول إلى كعبة ثانية، وكانت هذه الجماعة تطلب من السيد لما شاع بينها من القصص والحكايات حول مقدرته العجيبة في قضاء الحوائج). دمعة على التوحيد (ص: 64).

ـ قال عبدالله بن محمد خميس يصور مشهدا عند قبر ابن عربي في دمشق: (لقد ذهبت إلى قبر ابن عربي في دمشق فوجدت فئاماً من الناس يغدون إليه ويروحون.. وجدتهم يطوفون حوله، ويتوسلون به، ويعلنون دعاءهم له من دون الله، وجدت المرأة تضع خدها على شباك الضريح وتمرغه وتنادي: أغثني يا محيي الدين!). دمعة على التوحيد (ص: 70).

ـ وكذلك قبر بهاء الدين زكريا في الهند يطوفون حوله، ويعملون ويصنعون على قبره جميع الأعمال اللائقة بالمعبود؛ كالسجود، والنذور، وما أشبه ذلك، وكذلك ضريح علي الهجوري في لاهور في باكستان، وهو من القبور العظيمة، والناس يزورونه كل سنة بل كل يوم، ويطوفون حوله، ويسجدون له، ويقدمون النذور، ويستغيثون به، ويطلبون العون والمدد). دمعة على التوحيد (ص: 70).

ـ قال عبد الرحمن الوكيل: (كنت أطوف حول صنم البدوي، حتى إذا مثلت أمام الكوة الصغيرة في وثنه النحاسي البراق أنفذت منها يدي في رعشة التقديس حتى ألمس ستر القبر، ثم أخرجها رويداً رويداً بحرص وحذر بالغين..). دمعة على التوحيد (ص: 62).

وقد يتجاوز الطواف إلى أبعد من ذلك، قال محمد رشيد رضا في مشاهدته بعض العامة رجالاً ونساء في مسجد الحسين بالقاهرة: (يطوفون بعمود من الرخام، ويتمسحون به التماساً للبركة وتقرباً إلى السيد البدوي، معتقدين أنه يجلس بجانب هذا العمود عند زيارة جده الحسين، ومنهم من يزعم أن روح الحسين ترفرف دائماً هناك). دمعة على التوحيد.

وأخيراً ذكر بعض الأسباب التي تدعو إلى عدم الكلام في هذه القضايا:

 يبن محمد رشيد رضا أن الذي دفع العلماء إلى السكوت عن هذه الأمور خوفهم من الوقوع في قضية إنكار الكرامات، أو الاعتراض على الأولياء الذي يخشى معه أن يلحقوا بهم الأذى والضرر. دمعة على التوحيد (ص: 164).

وذكر أنه كان مرة في قبة الإمام الشافعي، وكان ثم جماعة من أكابر علماء الأزهر وأشهرهم، فأذن المؤذن للعصر مستدبراً القبلة، فقال لهم: لم لمْ يستقبل هذا المؤذن القبلة كما هي السنة؟ فقال أحدهم: إنه يستقبل ضريح الإمام ! وذكروا أيضاً أنهم لا ينكرون على من يستقبل قبر الإمام في الصلاة !! دمعة على التوحيد (ص: 163).

أما الحوار الذي كان سبباً لفتوى د/جمعة وكان مع د/ محمد عبد الغفار الشريف؛ فإننا نقف معه ثلاث وقفات على النحو التالي:

الأولى قوله: (أما الطواف بالقبور فغير مشروع عند كل علماء المسلمين بمن فيهم الصوفية، واختلفوا هل هو حرام أم مكروه؟ ولم يقل أحد بأنه شرك، إلا بعض المعدودين على الأصابع ممن ينسب إلى العلم. ثم نقل كلاماً لشيخ الإسلام وفي آخره: (ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة)، ولم يكمله.

 وقد أطلنا الحديث حول مسألة الطواف بالقبر، وأن كلام العلماء الذين نقله مناطه التعظيم الذي يجعله مشابهاً للكعبة كما سبق، وأما إذا كان التعظيم للقبر أو صاحبه فذاك كفر، فالتشبه هنا مكروه كراهة تحريم كما عليه الجمهور، وأما الطواف الذي هو من جنس العبادة -ويذكره د/جمعة في سياق السجود للقبر، والدعاء والاستغاثة بصاحبه- فصرفه لغير الله شرك، قال تعالى: (( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ))[الحج:29]^، ولذلك لم يفصل العلماء فيه، وإنما أطلقوا الحكم فيه، قال ابن القيم: (يتخذ قبره وثناً يعكف عليه، ويوقد عليه القناديل، ويعلق عليه الستور، ويبني عليه المسجد، ويعبده بالسجود له والطواف به، وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده، ثم ينقله درجة أخرى –أي: الشيطان- إلى دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيداً ومنسكاً، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم). إغاثة اللهفان (1/217).

وأما نص كلام شيخ الإسلام الذي لم يتمه د/ الشريف فتتمته: (... فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل، مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكاناً يطاف به كما يطاف بالكعبة؟ والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال) (27 /10).

 وهو صريح بأن الطواف بالصخرة في المسجد الأقصى أشد من الصلاة إليها وحكمه عليه بالكفر !! فلماذا لم ينقله د/ الشريف ؟!

الثانية: قوله: (الذي أعرفه من نفسي ويعرفه عني أحبابي وطلبتي أن تركيبتي الفكرية والشخصية تتنافر مع الخرافات، فكيف أكون داعية إليها؟ أما التصوف المستنبط من الكتاب والسنة والذي يسمى إحساناً في المصطلح الشرعي، فيشرفني أن أكون من دعاته إذا أذن لي بذلك العلماء العارفون المتحققون بالشروط الشرعية، ويكفي أن أذكر منهم معروفاً الكرخي الذي أثنى عليه علماء الإسلام بمن فيهم ابن تيمية، ومنهم الإمام الغزالي الذي تفخر به البشرية، ومنهم الإمام النووي حسب ما ذكره تلميذه ابن العطار في سيرته).

أما التصوف المستنبط من الكتاب والسنة فهو الذي بمعنى الزهد، وكان عليه السابقون كمعروف الكرخي، قبل أن يتطور من جانبين: الجانب العملي وما يشوبه من الخلوات والجوع والصمت والسياحة في البراري، والجانب الفلسفي كالفناء والجمع، والحلول والاتحاد، ووحدة الوجود، والحقيقة المحمدية، والإنسان الكامل، وأن الإنسان يسعه الخروج عن الشريعة بحجة علم الباطن الذي يمتلكه الصوفية، وصار الوصول إلى إنسان كامل يعبرون عنه بحق في صورة خلق هو الغاية، وعليه فتنسب إليه خصائص الإلوهية؛ من التصرف في الكون، وإحياء الموتى، وادعاء علم الغيب، وغيرها مما هو مسطر في دواوين الصوفية، وصارت هذه المفاهيم بمجموعها تدل على التصوف.

 فالتصوف المستنبط من الكتاب والسنة لم يعد كباقي الوشم في ظاهر اليد، وعلى الدكتور الشريف أن يفصل حين يتحدث عما ينتحله من تصوف بالبراءة من كل شائبة طرأت على المفهوم، ليعود ويعيش في القرن الثالث الهجري الذين هم مقصود شيخ الإسلام في القسم الثالث من قوله: (ابن عربي وأتباعه وإن ادعوا أنهم من الصوفية فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل الكلام، فضلاً أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة، كالفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبدالله التستري وأمثالهم..). الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.

وأما قوله عن التصوف بأنه الإحسان، فهو يتضمن معنيين: أحدهما ما ذكره د/ الشريف، والثاني ما أقدم عليه بعض غلاة الصوفية من تأويل حديث: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) بغير علم فقال: فيه إشارة إلى مقام المحو والفناء، وتقديره: فإن لم تكن أي: فإن لم تصر شيئاً وفنيت عن نفسك حتى كأنك ليس بموجود فإنك حينئذ تراه، وغفل قائل هذا للجهل بالعربية عن أنه لو كان المراد ما زعم لكان قوله: (تراه) محذوف الألف؛ لأنه يصير مجزوماً على زعمه جواب الشرط..فتح الباري (1/120).

الثالثة: قوله: (ومما أعلمه وأعتز بذلك شرح الحكم العطائية لابن عباد الرندي، الذي مدحه الإمام الشاطبي وغيره، وإحياء علوم الدين للإمام الغزالي، الذي أثنى عليه وعلى كتابه المسلمون وغيرهم، ولا يهمني رأي فئة قليلة من الناس لا ترى الحق إلا فيما تعتقد).

 أما الحكم بالأغلبية في المسائل العلمية فليس بمسلك المنصفين، قال أبو علي الفضيل بن عياض: (اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين)، ولا يستوحش الدكتور باتباع الفئة القليلة، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة لما معها من الحق، ولا شك أن إحياء علوم الدين قد تضمن من دائرة الرقائق وتهذيب النفوس وإصلاح القلوب ما يثني عليه المنصف، ولكن فيما يتعلق بالحديث عن التصوف وأهله فلا يوافق عليه إلا جاهل أو ضال، وأربأ بالدكتور أن يكون أحدهما، وأضع هنا ما يكون من صميم الموضوع:

ـ هل يقر د/ الشريف ما فيه من تقسيم التوحيد إلى أربعة أقسام: أن يقول الإنسان بلسانه لا إله إلا الله، الثانية: أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه كما صدق به عموم المسلمين، وهو اعتقاد العوام، الثالثة: أن يشاهد بطريق الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، الرابعة: ألا يرى في الوجود إلا واحداً، فلا يرى نفسه أيضاً، وهي مشاهدة الصديقين، وتسميه الصوفية: الفناء في التوحيد؛ لأنه من حيث لا يرى إلا واحداً، فلا يرى نفسه أيضاً، فهو (موحد بمعنى: أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد، فلا يرى الكل من حيث أنه كثير بل من حيث أنه واحد)، وأضاف: ( فإن قلت: كيف يتصور ألا يشاهد إلا واحداً وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة، فكيف يكون الكثير واحداً؟ فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات، وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب، فقد قال العارفون: إفشاء سر الربوبية كفر)، وأجاب: ( إن الشيء قد يكون كثيراً بنوع مشاهدة واعتبار، ويكون واحداً بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار، وهذا كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وأحشائه، وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذ نقول: إنه إنسان واحد..... وإلى هذا أشار الحسين بن منصور الحلاج حيث رأى الخواص يدور في الأسفار فقال: من أنت؟ فقال: أدور في الأسفار لأصحح حالتي التوكل، فقال الحسين: قد أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد؟!) (4/245ـ247).

ـ وهل يقر فيه قول الغزالي فيما ينقله عن أبي تراب النخشبي لبعضهم: (لئن رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة) (4/356).

أم هل يقر قول أبي يزيد لأحد أعيان بسطام: (قولك: سبحان الله شرك؛ لأنك سبحت نفسك فعظمتها وما عظمت ربك) (4/358).

ـ ألم يقرأ قول الغزالي في آداب الخلوة: (ويخلو بنفسه في زاوية، ويقتصر على الفرائض والرواتب، ولا يقرن همه بقراءة القرآن، ولا بالتأمل في تفسير، ولا يكتب حديثاً) (3/19)، وقوله: (القلوب وإن كانت محترقة بحب الله تعالى فإن البيت الغريب يهيج منها ما لا تهيج تلاوة القرآن)! ( واعلم أن الغناء أشد تهييجاً للوجد من القرآن لوجوه عديدة!) (2/301).

ـ ألم يمر على تقسيم الغزالي الناس إلى صنفين: (الصنف الأول: وهم الأذكياء الذين لا يطلبون الجنة وإنما يطلبون مجالسة رب العزة دائماً، والصنف الثاني: وهم البله أي: البسطاء الذين يتمتعون في الجنة بالنسوان والطعام والشراب كالبهائم!) (4/335)، وقوله: (وما حكي من تفرس المشايخ وإخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم يخرج عن الحصر) (3/25)، وقوله: (اعلم أن المريد في ابتداء أمره ينبغي ألا يشغل نفسه بالتزويج، فإن ذلك شغل شاغل يمنعه من السلوك ويستجره إلى الأنس بالزوجة) (2/301).

ـ وقوله: (إن من أولياء الله من تزوره الكعبة وتطوف به) (1/269).

وحسبنا هذه التي تتعلق بمسائل التصوف والحديث عن أهله؛ إذ الغرض المثال لا الاستكثار، ولو قيد د/ الشريف الاستفادة من إحياء علوم الدين بما فيه من الرقائق مع الإعراض بل الانتقاد لما حواه من ترهات الصوفية لأرشد.

والله أسأله الهداية والرشاد، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

cytotec abortion buy abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion read here medical abortion pill online
cytotec abortion click where to buy abortion pills online
cytotec abortion how to order the abortion pill online where to buy abortion pills online
where can i buy abortion pills abortion pill buy the abortion pill online
medical abortion pill online abortion pill abortion pill buy online
medical abortion pill online abortion pill abortion pill buy online
where to buy abortion pill go order abortion pill online
the unfaithful husband how to cheat on wife
women who cheat with married men open cheater
married men cheat reasons people cheat
read here reasons people cheat
why women cheat in relationships what to do when husband cheats how many guys cheat
I cheated on my girlfriend meet and cheat click
read online read
read read
want my wife to cheat my husband almost cheated on me married cheaters
want my wife to cheat women who cheat on husband married cheaters
want my wife to cheat women who cheat on husband married cheaters
want my wife to cheat how many women cheat married cheaters
want my wife to cheat my husband almost cheated on me married cheaters


أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب