اليوم : الخميس 10 رمضان 1442هـ الموافق:22 أبريل 2021م
من مشكاة النصح..تعليقات الإمام الذهبي على الصوفية في سير أعلام النبلاء
تاريخ الإضافة: الأثنين 6 صفر 1430هـ

أكرم مبارك عصبان

الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه ، وبعد : ـ

      فإن المتصدي للمتصوفة تواجهه مشكلة تبدو بادي الرأي صعبة ، فإذا ما أعاد النظر بان له حقيقة التعامل معها ، ويكمن الإشكال في ما حققوه من لبس بذكر بعض شيوخ الزهد ونسبة التصوف لهم ابتغاء تمرير خرافاتهم وترهاتهم ، ولا بد للمتصدي أن يخرج هذه الفئة من هذا الركام حتى لا تصيبه معرة في تعميم الحكم ، ثم إذا تزيّل الخبث اطمأن إلى الحكم على الطائفتين الأخريين ، أعني متكلمة المتصوفة وغلاتهم من أهل الوحدة .

     فأما مشايخ الزهد فإنهم على الحق ما استقاموا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ونحن بذلك نحبهم ونجلهم ، وأما الذين تأثروا بالكلام ومصطلحات الصوفية إن عارضوا الشرع بأذواقهم وكشوفهم فليت بيننا وبينهم بيداء من الأرض ، وأما أهل الوحدة الذين أكلوا من شجرتها الخبيثة ، واتخذوها مراغمة للدين فليت دونهم بيد دونها بيد .

    والكتاب والسنة هما المعيار عند التنازع فوجب الرجوع إليهما ، والحوالة عليهما ، ولما كانت الطرق الصوفية أمشاج من المناهج التي أعوزها العثور على ما يؤيد سيرها من الكتاب والسنة عاجت على رسم خطوط لها تلتقي عند أمرين :

الأول : الغاية التي يقصدونها والمتمثلة في التوحيد ويعنون به الفناء .

الثاني : الرياضة الفلسفية التي تصل إلى الغاية وهي ذات أربعة أركان وهي ( الجوع والسهر والخلوة والذكر ) وقد يضاف السماع ، ولا بد عندهم من شيخ يستسلم له المريد .

      وهذه التوطئة هي بيان لما أردنا بيانه من تعليقات الإمام الذهبي على الصوفية في سير أعلام النبلاء فهو لا يجد فرصة سنحت له دون أن يزجي عليها تعليقات سنية مهمة ، ويستغلها بتوضيح الحق ، وبذلك فقد حقق التوازن باتخاذ المسلك الرصين في مرتبتين إحداهما : إيراد النقل الذي بلغه فيؤديه كما نقل إليه .

 والثانية : التعليق عليه بما يراه حقا بناء على مشربه السني .

    والإمام الذهبي قد اتصف بتعليقه على أهل الكلام والتقليد والمخالفين عن طريق السلف من المتصوفة والرافضة الذين آلمهم ما نحاه في ميزانه فأرادوا كسر شوكته ، وهو حين يعلق على المواقف فإنه خبير بالرجال ، والمنهاج التي ارتضوها ، ومن الذي يجهل مؤلفاته التي سارت به الركبان ، وصارت مرجعا للأمة منها تذكرة الحفاظ ، وميزان الاعتدال وتاريخ الإسلام الكبير وسير أعلام النبلاء ، فحين يقف لانحرافات المنابذين للحق بالمرصاد و يسجل تعليقا على مواقفه فما أنصحه للأمة !

    ونحن هنا نختار من تعليقه على الصوفية في سير أعلام النبلاء في النقاط التالية :

أولا : الجانب العملي عند الصوفية

أ ـ  الجوع المفرط

  يعد الجوع لدى المتصوفة أحد أركان الرياضة التي يرجون من وارئها إماتة النفس وإفنائها ، ويبالغون في تصوير تحمله إلى حد بعيد ، ومن ذلك ما قيل: إن ابن عطاء فقد عقله ثمانية عشر عاما، ثم ثاب إليه عقله.

قال الذهبي 14 /256: ( ثبت الله علينا عقولنا وإيماننا ، فمن تسبب في زوال عقله بجوع ، ورياضة صعبة ، وخلوة ، فقد عصى وأثم ، وضاهى من أزال عقله بعض يوم بسكر ، فما أحسن التقيد بمتابعة السنن والعلم )

ب ـ الخلوات

  وهي من أركان الرياضة أيضا فإنهم يرون من الضرورة على السالك أن يلج غياهب الخلوات ، ويدع الناس ولا يشارك في المجتمع ، وطريق مثل هذا لا شك أن الأعداء يطمعون فيه ويسيل له لعابهم ،

ثم إن الخلوات لا تسلم من مكائد إبليس الذي يبث سمومه فيها ، ولهم فيها قصص غريبة لكن الذهبي وقف لها بالتعليقات المهمة :

ا ـ ففي ترجمة الأبهري قيل : إنه عمل له خلوة ، فبقي خمسين يوما لا يأكل شيئا .

قال الذهبي  17 /576 : إن هذا الجوع المفرط لا يسوغ ، فإذا كان سرد الصيام والوصال قد نهي عنهما ، فما الظن وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع.[1]

  ثم قلّ من عمل هذه الخلوات المبتدعة إلا واضطرب ، وفسد عقله ، وجف دماغه ، ورأى مرأى ، وسمع خطابا لا وجود له في الخارج ، فإن كان متمكنا من العلم والإيمان ، فلعله ينجو بذلك من تزلزل توحيده ، وإن كان جاهلا بالسنن وبقواعد الإيمان تزلزل توحيده ، وطمع فيه الشيطان ، وادعى الوصول ، وبقي على مزلة قدم ، وربما تزندق ، وقال : أنا هو !  نعوذ بالله من النفس الأمارة ، ومن الهوى ، ونسأل الله أن يحفظ علينا إيماننا آمين .

ب ـ  وذكر في ترجمة طاهر الجصاص أن محمدا بن عيسى يقول : صام طاهر أربعين يوما أربعين مرة ، فآخر أربعين عملها صام على قشر الدخن ، فليبسه قرع رأسه ، واختلط في عقله ، ولم أر أكثر مجاهدة منه.

قال الذهبي 17 /391: ( فعل هذه الأربعينات حرام قطعا ، فعقباها موت من الخور أو جنون واختلاط ، أو جفاف يوجب للمرء سماع خطاب لا وجود له أبدا في الخارج ، فيظن صاحبه أنه خطاب إلّي ـ إلهي ـ كلا والله ) .

ج ـ  قال في ترجمة نجم الدين الكبدي : وقال ابن هلالة : جلست عنده في الخلوة مرارا، وشاهدت أمورا عجيبة ، وسمعت من يخاطبني بأشياء حسنة.

قال الذهبي 22 /112: ( لا وجود لمن خاطبك في خلوتك مع جوعك المفرط ، بل هو سماع كلام في الدماغ الذي قد طاش وفاش ، وبقي قرعه كما يتم للمبرسم  ، والمغمور بالحمى ، والمجنون ، فاجزم بهذا واعبد الله بالسنن الثابتة تفلح ! ) انتهى  

      فتأمل أخي ـ حفظك الله ـ هذه التعليقات النافعة التي ترجع الخيالات الفاسدة التي يزعمها كثير من الصوفية أصحاب الخلوات من المكاشفات والمشاهدات إلى السبب الحقيقي وهو الجوع الذي أنتج هذه الأمور ولو ثاب إلى طعامه لذهب عنه ما يجد وبالله التوفيق .

 

ثانيا : الجانب العلمي

ـ مقام الفناء

   يعد الفناء هو الغاية التي ينتهي إليها سير الصوفية ، والذي يتمثل في حقيقة التوحيد عندهم ، وقد يكتفي السائر بفناء الشهود ، وقد يقتحم  فناء الوجود ويغرق في الوحدة ، والفناء الذي هو الغيبة والاصطلام هو حجب الخلق ، وكان عند رؤيتهم لا يشاهد وأما بعده فهو مقام البقاء بحيث لا يحجبه الخلق عن الخالق ولا العكس هكذا يقررون ، وهي مصطلحات لا طائل وراءها بل ثم الهلاك .

أ ـ ونقل في ترجمة إبراهيم القرميسيني قوله : علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية، وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو من المغالطة والزندقة .

قال الذهبي 15 / 393 : ( صدقت والله ، فإن الفناء والبقاء من ترهات الصوفية ، أطلقه بعضهم ، فدخل من بابه كل إلحادي وكل زنديق ، وقالوا: ما سوى الله باطل فان،  والله تعالى هو الباقي ، وهو هذه الكائنات ، وما ثم شئ غيره ، ويقول شاعرهم :

وما أنت غير الكون     بـــل أنـت عيـــنه

ويقول الآخر : وما ثم إلا الله ليس سواه .

    فانظر إلى هذا المروق والضلال ، بل كل ما سوى الله محدث موجود ، قال الله تعالى: ( خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) [2].

  

ب ـ وفي ترجمة ابن الأعرابي نقل قوله : فإذا سمعت الرجل يسأل عن الجمع أو الفناء، أو يجيب فيهما ، فاعلم أنه فارغ ، ليس من أهل ذلك إذ أهلهما لا يسألون عنه لعلمهم أنه لا يدرك بالوصف .

قال الذهبي 15 /409 : ( إي والله ، دققوا وعمقوا، وخاضوا في أسرار عظيمة ، ما معهم على دعواهم فيها سوى ظن وخيال ، ولا وجود لتلك الأحوال من الفناء والمحو والصحو والسكر إلا مجرد خطرات ووساوس ، ما تفوه بعباراتهم صديق ، ولا صاحب ، ولا إمام من التابعين .

     فان طالبتهم بدعاويهم مقتوك ، وقالوا : محجوب ، وإن سلمت لهم قيادك تخبط ما معك من الإيمان ، وهبط بك الحال على الحيرة والمحال ، ورمقت العباد بعين المقت ، وأهل القرآن والحديث بعين البعد ، وقلت: مساكين محجوبون فلا حول ولا قوة إلا بالله ) . [3]

ج ـ نقل في ترجمة كرز قوله : لا يكون العبد قارئا حتى يزهد في الدرهم .

 قال الذهبي 6 /86 : ( هكذا كان زهاد السلف وعبادهم ، أصحاب خوف وخشوع ، وتعبد وقنوع ، ولا يدخلون في الدنيا وشهواتها ، ولا في عبارات أحدثها المتأخرون من الفناء ، والمحو، والاصطلام، والاتحاد ، وأشباه ذلك ، مما لا يسوغه كبار العلماء ).

     وهذه التعليقات الجياد كما تراها ترشق أغراض الباطل وما يدخل عن طريقه المنحرفون من ألفاظ الفناء والاتحاد التي لم ترد في نص ، وإنما هي من خيالات القوم ، ويحذر من الاغترار بها ، ويمدح من وصف صاحبها بأنه فارغ ، أو أنها من المغالطة والزندقة .

 

 

ثالثا : معارضة النصوص بالوجد ودعوى المحبة

   إن من المصائب التي تزري بالتصوف والرزايا التي تصيب أهله تقديم كشفهم وذوقهم على الكتاب والسنة فإن هذا مهلكة ، قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) فالصادق من وزن أحواله وأقواله بميزان الشرع ، وأعلن البراءة مما سواهما .

أ ـ الوجد والذوق

نقل عن أبي قلابة أنه قال : إذا حدثت الرجل بالسنة، فقال: دعنا من هذا، وهات كتاب الله، فاعلم أنه ضال .

قال الذهبي  4 /472 قلت أنا : وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث الآحاد، وهات " العقل " فاعلم أنه أبو جهل ، وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول : دعنا من النقل ومن العقل ، وهات الذوق والوجد، فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر، أو قد حل فيه ، فإن جبنت منه فاهرب ، وإلا فاصرعه وابرك على صدره واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه.

ب ـ شطحات الحلاج

قال ابن الوليد : كان المشايخ يستثقلون كلامه ، وينالون منه لأنه كان يأخذ نفسه بأشياء تخالف الشريعة، وطريقة الزهاد، وكان يدعي المحبة لله ، ويظهر منه ما يخالف دعواه.

قال الذهبي 14 /316: ولا ريب أن إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم علم لمحبة الله لقوله تعالى : (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)    

ـ ونقل قول بعضهم أنه لما أرادوا قتل الحلاج أحضر لذلك الفقهاء فسألوه ما البرهان ؟ قال : شواهد يلبسها الحق لأهل الإخلاص يجذب في النفوس إليها جاذب القبول فقالوا بأجمعهم هذا كلام أهل الزندقة .

قال الذهبي  14 /330 ( فنقول : بل من وزن نفسه، وزمها بالكتاب والسنة، فهو صاحب برهان وحجة، فما أخيب سهم من فاته ذلك ! )

     وهكذا ينبغي على المسلم أن يستسلم للنصوص الشرعية ولا يعرضها بشئ من المعارضات التي سقط في هوتها السحيقة من يعارضها بذوقه ووجده وكشفه ، وهذا فرقان الصادق في سلوكه إذا لاح له الدليل رجع إليه وبين من أغرته مواجيده فقدمها على الشرع نعوذ بالله من الخذلان .

رابعا : ترك العلم والإقبال على رموز الباطنية وحقائق الاتحادية

        قد سبق أن الطريق الموصل لغاية الفناء هو الرياضة والمقامات التي رتبها الشيوخ ويجب على المريد أن يتحكم لشيخه ولا يعارضه ولو كان على معصية ، ولأن العلم يفضح حقيقة أمرهم وعبث الباطنية بهم ، ويهتك سترهم وانقيادهم لحقائق الاتحادية ، فلا غرو إن عدوه قاطعا للطريق وحذروا منه مريديهم ، وطالما قرأنا في كتب الصوفية ما يؤيد عزوفهم عنه ، بل وتحذير مريديهم منه .

   ومن هنا نفسر العداء الذي ناصبوه للفقهاء وأنهم محجوبون لا يفقهون طريقهم ، ودارت المعارك بين الفريقين ، فريق يرى التسليم المطلق للشيخ ، وآخر يوجب الرجوع إلى الدليل ، وقد وقف صاحبنا الذهبي في صفوف العلماء الفقهاء الذابين عن شرع الله ، وصال بالنصوص وجال بها في ميدان النزاع مع الذين حملوا لواء الحق وشدوا وأوجفوا بركابه حتى صرعت شبهات الصوفية .

أ ـ الزهد في الحديث

قال إبراهيم بن أحمد الطبري : سمعت الخلدي يقول: مضيت إلى عباس الدوري، وأنا حدث، فكتبت عنه مجلسا، وخرجت، فلقيني صوفي، فقال: أيش هذا ؟ فأريته، فقال: ويحك، تدع علم الخرق، وتأخذ علم الورق ! ثم خرق الأوراق، فدخل كلامه [ في قلبي، ] فلم أعد إلى عباس ، ووقفت بعرفة ستا وخمسين وقفة .

قال الذهبي 15 /559 : ما ذا إلا صوفي جاهل يمزق الأحاديث النبوية ، ويحض على أمر مجهول ، فما أحوجه إلى العلم .

ب ـ العكوف على رموز الباطنية

    قال الحافظ أبو سعيد النقاش في كتاب " طبقات الصوفية ": محمد ابن منصور الطوسي أستاذ أبي سعيد الخراز، وأبي العباس بن مسروق، كتب الحديث الكثير، ورواه.

قال الذهبي 12 / 213 : ( متى رأيت الصوفي مكبا على الحديث فثق به ، ومتى رأيته نائيا عن الحديث ، فلا تفرح به ، لاسيما إذا انضاف إلى جهله بالحديث عكوف على ترهات الصوفية، ورموز الباطنية، نسأل الله السلامة، كما قال ابن المبارك :

وهل أفسد الدين إلا الملوك     وأحبار سوء ورهبانـــــــها )

ج ـ الاقبال على حقائق الاتحادية

نقل عن أبي شريح أنه قال لتلاميذه حين كثرت المسائل عليهم : قد درنت قلوبكم، فقوموا إلى خالد بن حميد المهري استقلوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب والرقائق، فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل، فإنها في غير ما نزل تقسي القلب، وتورث العداوة.

قال الذهبي 7 / 183: ( صدق والله ، فما الظن إذا كانت مسائل الأصول ، ولوازم الكلام في معارضة النص ، فكيف إذا كانت من تشكيكات المنطق ، وقواعد الحكمة، ودين الأوائل ؟ ! فكيف إذا كانت من حقائق " الاتحادية " ، وزندقة " السبعينية " ومرق " الباطنية " ؟ ! فوا غربتاه، ويا قلة ناصراه ، آمنت بالله ، ولا قوة إلا بالله ) .

   وهكذا فليكن العالم ناصحا لله ولكتابه ولرسوله ولعامة المسلمين ، ولا يغشهم في مجاراة هؤلاء الذين ارتضوا غير هدي الرسول صلى الله عليه وسلم .

خامسا : نصيحتان في التزام السنة :

ومن تعليقاته المفيدة نورد نصيحتان تنسجمان مع السياق الذي نحن بصدد الخوض فيه

ـ قال الذهبي 12/89  : الطريقة المثلى هي المحمدية، وهو الأخذ من الطيبات، وتناول الشهوات المباحة من غير إسراف، كما قال تعالى: (يا أيها الرسل، كلوا من الطيبات، واعملوا صالحا) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام ، وآتي النساء، وآكل اللحم ، فمن رغب عن سنتي فليس مني  "، فلم يشرع لنا الرهبانية ، ولا التمزق ولا الوصال بل ولا صوم الدهر، ودين الإسلام يسر وحنيفية سمحة ، فليأكل المسلم من الطيب إذا أمكنه ، كما قال تعالى،   (لينفق ذو سعة من سعته) وقد كان النساء أحب شئ إلى نبينا صلى الله عليه وسلم ، وكذلك اللحم والحلواء والعسل والشراب الحلو البارد والمسك، وهو أفضل الخلق وأحبهم إلى الله تعالى .

     ثم العابد العري من العلم ، متى زهد وتبتل وجاع ، وخلا بنفسه ، وترك اللحم والثمار ، واقتصر على الدقة والكسرة ، صفت حواسه ولطفت ، ولازمته خطرات النفس ، وسمع خطابا يتولد من الجوع والسهر، لا وجود لذلك الخطاب - والله - في الخارج ، وولج الشيطان في باطنه وخرج ، فيعتقد أنه قد وصل ، وخوطب وارتقى، فيتمكن منه الشيطان ، ويوسوس له ، فينظر إلى المؤمنين بعين الازدراء ، ويتذكر ذنوبهم ، وينظر إلى نفسه بعين الكمال ، وربما آل به الأمر إلى أن يعتقد أنه ولي ، صاحب كرامات وتمكن، وربما حصل له شك ، وتزلزل إيمانه فالخلوة والجوع أبو جاد الترهب ، وليس ذلك من شريعتنا في شئ .. [4]

ـ وقال  3 /85 : (  وكل من لم يزم نفسه في تعبده وأوراده بالسنة النبوية ، يندم ويترهب ويسوء مزاجه  ، ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين ، الحريص على نفعهم، وما زال صلى الله عليه وسلم معلما للأمة أفضل الأعمال، وآمرا بهجر التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الاخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم إلى غير ذلك من الاوامر والنواهي .

فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية، المتجاوز لها مفضول مغرور، وأحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل ، ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة، وجنبنا الهوى والمخالفة.

 الخلاصة :

     والذي نخلص إليه في ختام هذا المقام معالم بارزة اتصفت بها هذه التعليقات يمكن إجمالها في خمسة أمور :

ـ أولا : الوصية بالتمسك بالكتاب والسنة ، والتحاكم إليهما ، والحض على الأخذ بهما إذ فيهما الهدى والحق وبيان المنهج الصحيح ، فلا يسع المسلم إلا الوقوف عندهما ، والعكوف عليهما حتى ينجو من مضلات الفتن والفرق المنحرفة ، وارجع إلى عبارات الذهبي التي يشي بها التعليق مثل ( فما أحسن التقيد بمتابعة السنن والعلم ) ومثل ( فاجزم بهذا واعبد الله بالسنن الثابتة تفلح ! ) وغيرهما .

ثانيا : التحذير من مسالك المنحرفين ، ونتائج بعدهم عن الحق بأخذهم مناهج الضالين وقد نهوا عنها ، وقد تسببت الرياضة الفلسفية في الدخول في متاهات الوحدة  التي زينها الشيطان بلباس الفناء فكان الذهبي كثيرا ما يعلق على أصحابها بمثل ( فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر ) ( وطمع فيه الشيطان ، وادعى الوصول ) ( فدخل من بابه ـ الفناء ـ كل إلحادي وكل زنديق )

ـ ثالثا : التوازن بين العلم والزهد الحقيقي الوارد في هدي عليه الصلاة والسلام ، والذهبي يرى أنه لا بد من تحقيق هذا التوازن فلا يجنح العالم دون أن يكون له من الزهديات ما يزينه ، كما لا يحلق الزاهد في الرقائق دون أن يقيد سيره بالعلم فمن أقواله ( والعالم إذا عري من التصوف والتأله ، فهو فارغ ، كما أن الصوفي إذا عري من علم السنة، زل عن سواء السبيل ) كما أن يرى أن الصوفي إن كان صادقا فإنه لا يعارض الشرع بشئ من طريقته ، ويلزم عتبة العلم والحديث فيتبن لنا صدقه .

رابعا : بيان سير السلف ، ويسر الدين ، وعبادتهم التي تلقوها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والزهد الذي هو شعار المسلم قبل أن يلوثه الصوفية بطرائقهم ( فما أخيب سهم من فاته ذلك )

 وحصر التصوف في الزهد عزيز بعد أن انتهى أمره إلى عشاق الفناء ، والمجاذيب ، والشاطحين حتى صح في سبيل الزاهدين قول كعب :

أمست سعاد بأرض لا يبلغها   إلا العتاق النجيات المراسيل

خامسا : بلاغة الإمام الذهبي في التعبير ، واللطافة في الأسلوب الذي ينم عن علم وأدب غزيرين فتأمل عبارته مثل :

ـ ( بل هو سماع كلام في الدماغ الذي قد طاش وفاش )

ـ ( وإلا فاصرعه وابرك على صدره واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه )

ـ ( فوا غربتاه، ويا قلة ناصراه ، آمنت بالله ، ولا قوة إلا بالله )

   والله نسأله أن يهدينا سبل السلام ويجنبنا مسالك الردى والضلال ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

 



[1] ) حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا ( اللهم إني أعوذ بك من الجوع ... ) رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي وهو حديث حسن كما في صحيح الجامع للألباني .

[2] ) وتتمة كلامه ( وإنما أراد قدماء الصوفية بالفناء نسيان المخلوقات وتركها ، وفناء النفس عن التشاغل بما سوى الله ، ولا يسلم إليهم هذا أيضا ، بل أمرنا الله ورسوله بالتشاغل بالمخلوقات ورؤيتها والإقبال عليها ، وتعظيم خالقها ، وقال تعالى : (أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ) وقال: (قل انظروا ماذا في السماوات والارض )  

وقال عليه السلام : " حبب إلي النساء والطيب " وقال: " كأنك علمت حبنا للحم ".

وكان يحب عائشة ، ويحب أباها ، ويحب أسامة ، ويحب سبطيه ، ويحب الحلواء والعسل ، ويحب جبل أحد ، ويحب وطنه ، ويحب الأنصار، إلى أشياء لا تحصى مما لا يغني المؤمن عنها قط ) .

[3] ) وتتمة كلامه ( فإنما التصوف والتأله والسلوك والسير والمحبة ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من الرضا عن الله ، ولزوم تقوى الله، والجهاد في سبيل الله، والتأدب بآداب الشريعة من التلاوة بترتيل وتدبر، والقيام بخشية وخشوع، وصوم وقت ، وإفطار وقت ، وبذل المعروف ، وكثرة الإيثار ، وتعليم العوام، والتواضع للمؤمنين، والتعزز على الكافرين، ومع هذا فالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

   والعالم إذا عري من التصوف والتأله ، فهو فارغ ، كما أن الصوفي إذا عري من علم السنة، زل عن سواء السبيل )  

[4]) وتتمة كلامه ( بلى  السلوك ، الكامل هو الورع في القوت، والورع في المنطق، وحفظ اللسان، وملازمة الذكر، وترك مخالطة العامة، والبكاء على الخطيئة، والتلاوة بالترتيل والتدبر، ومقت النفس وذمها في ذات الله، والإكثار من الصوم المشروع، ودوام التهجد، والتواضع للمسلمين، وصلة الرحم، والسماحة وكثرة البشر، والإنفاق مع الخصاصة، وقول الحق المر برفق وتؤدة، والأمر بالعرف، والأخذ بالعفو، والإعراض عن الجاهلين، والرباط بالثغر، وجهاد العدو، وحج البيت، وتناول الطيبات في الأحايين، وكثرة الاستغفار في السحر ، فهذه شمائل الأولياء ، وصفات المحمديين ، أماتنا الله على محبتهم ) .

 

 

cytotec abortion buy abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion read here medical abortion pill online
cytotec abortion how to order the abortion pill online where to buy abortion pills online
medical abortion pill online go abortion pill buy online
the unfaithful husband how to cheat on wife
the unfaithful husband what makes a husband cheat how to cheat on wife
women who cheat with married men open cheater
reason women cheat reasons people cheat
married men cheat reasons people cheat
why women cheat in relationships why women cheat on husbands how many guys cheat
why women cheat in relationships website how many guys cheat
cheats my husband cheated read
I cheated on my girlfriend meet and cheat click
I cheated on my girlfriend meet and cheat click
I cheated on my girlfriend click click
read read
read online read


أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب